من نحنإشتراكاتتوزيعخريطة الموقعدفتر الزواراتصل بنا
 
الخميس 21 أغسطس 2008 - العدد (985)
أخبار الوطنأسواقالرياضيالوطن الأكبركتاب الوطن
 
 
 
الكنش الثقافي : السكك‮ »‬البصارة‮« ‬لمهدي‮ ‬سلمان : في‮ ‬شــعريـــة الاحتجـــاج الجـمـــالي‮.. ‬دراســة في‮ ‬بـعض تقنـيــات العــدول نموذجـــــاً
 
كتب(ت) :
عندما قرأت لمهدي‮ ‬سلمان مجموعته الشعرية الأولى‮ ''‬هاهنا جمرة‮.. ‬وطن‮.. ‬أرخبيل‮'' (‬2007‮) ‬شعرت بأنه صوت شعري‮ ‬متميز بين أقرانه‮ ‬يتوفر نصه على قدر من الحساسية الشعرية المحببة‮. ‬ولم‮ ‬يخب توقعي‮ ‬في‮ ‬هذا الأمر عند قراءتي‮ ‬لمجموعته‮ ''‬السكك البصارة‮'' ‬الصادرة مؤخراً‮ ‬عن وزارة الإعلام بمملكة البحرين ودار الانتشار العربي‮. ‬لكن العجب في‮ ‬أن‮ ‬يكون التالي‮ ‬أقل جذباً‮ ‬لي‮ ‬من السابق زال بمحاورة الشاعر حين أعلمني‮ ‬أنّ‮ ‬السابق في‮ ‬زمن النشر لاحق في‮ ‬الكتابة،‮ ‬ومن ثمة اطمأننت إلى حدسي‮ ‬وإلى أنّ‮ ‬مهدي‮ ‬سلمان‮ ‬يتطور بخطى ثابتة،‮ ‬وإن تعجّل إصدار مجموعتين متلاحقتين إحداهما أجوَد من الأخرى‮ -‬في‮ ‬نظري‮- ‬فلا بأس عليه،‮ ‬فهو‮ -‬بوصفه شاعراً‮ ‬شاباً‮- ‬يريد أن‮ ‬يتبوّأ مكانة في‮ ‬المشهد الشعري‮ ‬في‮ ‬البحرين،‮ ‬ولا تكفي‮ ‬المجموعة الشعرية الواحدة لتضمن مثل هذا الحضور‮. ‬ولعلني‮ ‬لا أبالغ‮ ‬إن زعمت أن المشهد الشعري‮ ‬البحريني‮ ‬يعيش انتعاشة وتعايشاً‮ ‬بين أجيال من الشعراء تتفاوت رؤاهم‮  ‬الفنية ونصوصهم ومشاربهم الجمالية،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن افتراق توجهاتهم الإيديولوجية‮...‬

لقد اختار مهدي‮ ‬سلمان أن‮ ‬يجعل ديوانه رمياتٍ‮ ‬خمس،‮ ‬جاءت النصوص فيها قصيرة مختزلة كثيفة تعلوها شاعرية لافتة واشتغال على الصورة،‮ ‬وبذل جهداً‮ ‬في‮ ‬الخروج من المعتاد،‮ ‬ولكن ما‮ ‬يؤسف له القارئ هو الشعور المتكرر بالخيبة من عدم اكتمال المعنى الموحي‮ ‬بصناعة كون شعري‮. ‬وهذه السمة تكاد تكون‮ ''‬عاهة‮'' ‬مستديمة في‮ ‬نصوص الشعر الحديث‮. -‬وفي‮ ‬نظري‮- ‬ربما‮ ‬يكون التأرجح بين الرغبة في‮ ‬التجديد والإغماض من جهة،‮ ‬والرغبة في‮ ‬المحافظة على حبل التواصل من جهة أخرى،‮ ‬هو الذي‮ ‬جعل المعنى‮ ''‬ينوس‮'' ‬بين الخفاء والضمور،‮ ‬دون أن‮ ‬يبلغ‮ ‬درجة الظهور‮... ‬وربما أكون بحاجة إلى فهم شفرات خفية وقراءة‮ ''‬ما بين السطور‮'' ‬لمعرفة ما‮ ‬يُكمّل المعنى الذي‮ ‬يتراءى لي‮ ‬ناقصاً‮ ‬أو‮ ‬غير مكتمل‮.‬
الولوع بجمالية العبارة والسطر لا‮ ‬يكفي‮ ‬لتنشأ قصيدة مقنعة فنياً‮. ‬فالنص الحديث‮ ‬يشيد معناه على امتداد النصّ‮ ‬طولاً‮ ‬وعرْضاً،‮ ‬بل لعله‮ ‬ينشئ المعنى لبنة لبنة،‮ ‬وهذا ما لا نجده في‮ ‬كثير من نصوص الشعراء الشبان‮.‬
ليست مقولة‮ ''‬قتل المعنى‮'' ‬التي‮ ‬تنادت بها بعض المدارس الأدبية الطلائعية والفنتازية لفترة مّا مُجدية لنعتبرها براديغما للإجابة عن سؤال‮: ‬لم قتل المعنى؟ ما الغاية العملية والفائدة الفنية التي‮ ‬يمكن أن نجنيها من هذا التمشي‮ ‬المضاد للتواصل البشري؟
قد لا‮ ‬يكون من دور الشاعر أن‮ ‬يصنع الإفادة المعنوية العادية‮. ‬لكن ليس من اليسير القبول بأنّ‮ ‬التعديل المعنوي‮ ‬المطلوب‮ ‬يحتاج إلى ضرب من المعقولية الشعرية التي‮ ‬لا تقطع مع المشهد المتواتر خلال حقب متوالية من تاريخ هذا الفن‮. ‬لو قُيِّضَ‮ ‬لأفلاطون أن‮ ‬يعود إلى عصرنا لعله لن‮ ‬يتراجع عن طرد الشعراء من جمهوريته،‮ ‬ولكن لأسباب مختلفة‮. ‬فالشعراء‮ ‬يحتاجون إلى أن‮ ‬يرتبطوا بعصرهم ارتباطاً‮ ‬لا‮ ‬يكتفي‮ ‬بالاحتجاج الجمالي‮ ‬على الطبيعة البشرية والطبيعة الصامتة‮. ‬
يقول مهدي‮ ‬سلمان في‮ ‬قصيدة‮ ''‬إيقاع‮'':‬

أوقفتني‮ ‬
وكان عليّ‮ ‬اللحاق‮ ‬
برائحةِ‮ ‬الحجر النائمِ
لم‮ ‬يكن عطرها‮ ‬
غير قشعريرة الناي‮ ‬
مغرورقاً‮ ‬بدمي‮ ‬
قبّلتني‮ ‬على اسمي‮ ‬
وقالت‮: ‬
أنا أمّك الخائفة‮ ‬
وحضني‮ ‬شهيٌّ‮ ‬
كإيماءةٍ‮ ‬من بنفسجةٍ‮ ‬نازفة‮ ‬
وخوفي‮ ‬عليكَ‮ ‬
أرصّعهُ‮ ‬كل ليلة‮ ‬
بآخر قرطين من‮ (‬سورة الناس‮) ‬
أو سَورة العاطفة‮.. ‬
فخذ‮ ‬يا حبيبي‮ ‬فمي‮ ‬
‮... ‬
لحظةً‮.. ‬
والكلام الذي‮ ‬هوّمتني‮ ‬بياقوتِهِ‮ ‬
في‮ ‬خطاها‮.. ‬
اختفى‮.. ‬
؟؟؟
يبدو هذا النصّ‮ ‬مكتنزاً‮ ‬بلفتات رومنسية جميلة،‮ ‬تتسق بعمق إيقاعي‮ ‬لطيف،‮ ‬لا‮ ‬يهز الأعطاف بسبب ثقل قافية شرسة بل‮ ‬ينساب مع سيولة القول في‮ ‬حنوّ‮ ‬عذب‮. ‬غير أنّ‮ ‬الرومانسية الجميلة تنكسر تحت وطأة نزعة إيروطيقية جامحة‮ (‬فخذ‮ ‬يا حبيبي‮ ‬فمي‮) ‬ما‮ ‬يدمّر نسيج الإيحاء ليصبح القول عملاً‮ ‬لا حلماً،‮ ‬ويصبح الشعر صريحاً‮ ‬لا تلميحاً‮. ‬غير أنّ‮ ‬القفلة في‮ ‬آخر النصّ‮ ‬تحاول أن تتدارك هذا الدرك الذي‮ ‬جثم على أفق النص‮.‬
ويبدو التراوح بين التمرد والخضوع لسنن القول الشعري‮ ‬في‮ ‬تسمية بعض آيات سورة الناس بـ(قرطين‮) ‬وهذا العدول في‮ ‬التسمية الجزئية‮ ‬يتبعه عدول في‮ ‬تسمية مجاورة‮ (‬أو سورة العاطفة‮) ‬فكأنه‮ ‬يهرب من قيد الاحتجاج الديني‮ ‬ليواصل رض بديل شعوري‮ ‬عاطفي‮. ‬وكأنه‮ ‬يريد أن‮ ‬يحاصر وضوح المعنى الذي‮ ‬يفرضه توسّل الشاعر بالسورة لإبعاد الحسد والسحر والشر،‮ ‬عبر قراءة المعوذتين‮. ‬فإذا به‮ ‬يستدرك هذا الموقف الامتثالي‮ ‬لينشئ عدولاً‮ ‬كليّاً‮ ‬يوهم بإنشاء عالم مواز ومجاور للعالم العادي‮ ‬الذي‮ ‬تعيش في‮ ‬كنفه الخطابات الرتيبة‮.‬
ولكن الشاعر لم‮ ‬يتمكن من انتشال الرتابة كلّيّاً،‮ ‬بل هو واقعٌ‮ ‬أحياناً‮ ‬تحت وطأتها وإن بشكل خفيّ‮ ‬نحو تصوير الكلام الجميل بالياقوت،‮ ‬وهي‮ ‬استعارة متداولة،‮ ‬غير أن الجمالية التي‮ ‬يبتكرها الشاعر‮ -‬أو‮ ‬ينحو نحو ابتكارها‮- ‬تتمثل في‮ ‬جعل هذا الكلام الجميل‮ ‬يختفي‮ ‬في‮ ‬خطى الحبيبة‮... ‬فكأنّ‮ ‬الشاعر‮ ‬يعمد إلى إجراء مفاوضات‮ -‬إن استعرنا هذا المصطلح السياسي‮- ‬بين التراكيب والصور المستعادة من الأفق المعتاد وبين الابتكار الذاتي‮ ‬الذي‮ ‬يعمد إليه الشاعر،‮ ‬بطريقة تشي‮ ‬بالاقتدار على المراوحة بين ترسّم النموذج التقليدي‮ ‬وبين النموذج الحداثي،‮ ‬في‮ ‬توليد المعاني‮ ‬وصناعة الكنايات والصور‮. ‬
وقد لا‮ ‬يكون التحديث وتخليق الصور بشكل حداثي‮ ‬متجاوزاً‮ ‬لنمط التصوير البياني‮ ‬التقليدي،‮ ‬ناجحاً‮ ‬في‮ ‬مطلق الأحيان؛ بل قد لا‮ ‬يستسيغ‮ ‬الذوق بعض تلك الإحداثات والتخييلات‮:‬
‮(‬لم‮ ‬يكن عطرها‮ ‬
غير قشعريرة الناي‮ ‬
مغرورقاً‮ ‬بدمي‮)‬
من المؤكد أنّ‮ ‬الشاعر أراد أن‮ ‬يصف روعة تأثير عطر الحبيبة بهذا التصوير الموحي‮ ‬لكنه‮ ‬يفتقر إلى الجمالية،‮ ‬لأنّ‮ ‬عناصر الصورة متنافرة،‮ ‬تدلّ‮ ‬مفردةً‮ ‬على معنى التأثير البالغ‮ ‬ولكن تركيبها ولّد شعوراً‮ ‬بالنشاز لأنّ‮ ‬تكثيف التصوير‮ ‬يتناقض مع ما‮ ‬يُفترض أنّه جمالية تصويرية معهودة‮. ‬ولعلّ‮ ‬الهروب من البساطة والعدول عنها أدى بالشاعر إلى سلوك هذا المسلك الوعر،‮ ‬غير المأمون العواقب،‮ ‬دائماً‮.‬
بل لعلّ‮ ‬هذه العناصر‮: (‬القشعريرة،‮ ‬الناي،‮ ‬الإغريراق،‮ ‬الدم‮) ‬ذات إيحاءات عجيبة،‮ ‬ولكن الجمع بينها في‮ ‬مشهد مركّب قد أربك المعنى،‮ ‬ولعله قلّص من التأثير الذي‮ ‬رغب الشاعر في‮ ‬إحداثه في‮ ‬المتلقي‮. ‬
فقد‮ ‬يكون الشاعر أمام‮ ''‬كيمياء‮'' ‬وإزاء‮ ''‬معادلات‮'' ‬لا‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يفلت من الوقوع رهينة إخفاق مّا في‮ ‬أحد المستويات،‮ ‬خصوصاً‮ ‬إذا دقّت الحدود بين العدول الجميل والتكلف المقيت وخفيت رسومه على‮ ‬غير ذي‮ ‬الخبرة بتصريف الأقاويل التخيلية
 
تعليقات الزوار
الإسم:
  البريد الإلكتروني:
العنوان:
البلد:
التعليق:
 
 
 
 
© 2007 AlwatanNews | All rights reserved Design & Development | Imaging Concept