المسيرة بدأت بمعالجة طيبين في جدحفص وانتهت بمحاربة الكوليرا
في قسم الطوارئ بمستشفى إيرلندي عمل عيسى أمين ليل نهار ونال الثقة
في مستشفى قوة الدفاع ساهم عيسى بتوقيع أول عقد مع الجامعة الإيرلندية
عيسى أمين يؤمن بالمثل القائل «ما يحك ظهيرك إلا ظفيرك»
اليد البيضاء للإيرلنديين قابلها الطبيب البحريني بالزواج من إيرلندية

كتب ـ عبدالرحمن صالح الدوسري:
عاد عيسى أمين من القاهرة وبحقيبته حزمة ذكريات وشهادة طبيب، كان يحلم بالتخصص في مجال الجراحة، إلا أن المسؤولين اختاروا له وظيفة أخرى، طبيب متنقل بين المراكز الصحية في القرى.
في قرى جدحفص وكرزكان التقى عيسى أمين بالعفوية والبساطة وجهاً لوجه، أحب أهالي القريتين وأحبوه، وهو ما يزال يحتفظ هناك بصداقات يكن لها المحبة والاحترام.
في إيرلندا جاهد عيسى في الحصول على وظيفة ومتابعة الدراسة، حصل على وظيفة لمدة شهر بقسم الطوارئ بأحد المستشفيات، وهناك وصل الليل بالنهار ونال ثقة رؤسائه بالعمل، وبقي يعمل هناك سنتين وتابع دراساته وتخرج جراحاً، وتزوج بإيرلندية رداً للجميل.
حلم الطبيب الجراح يتلاشى
كانت فرحة عيسى أمين وهو يدرس الطب بالقاهرة ويحلم بالعودة ليخدم بلده تراوده في كل لحظة وحين «كنت أشرد بمخيلتي وأحلم بالعودة إلى وطني لأرسم الابتسامة على محيا مريض، أو أرفع الحزن عن عائلة، هذه الأماني حملتها معي وأنا عائد من القاهرة، زادي من حطام الدنيا شهادة طب».
كان عيسى لا يتوقف عن المطالبة بالبعثة في كل مرة يزور فيها البحرين خلال فترة دراسته بالقاهرة «كان الجواب واحداً لا يتغير... لا توجد بعثة لك».
وكل ما حصل «قرضة» من نادي الخريجين «في تلك الفترة أنشأ النادي نظام القرضة للطلبة المحتاجين، وهم الوحيدون المتعاونين معي إلى جانب أسرتي على تكملة دراستي».
وصل عيسى البحرين وهو يحلم أن يكون طبيباً جراحاً «للمرة الثانية تقفل الأبواب بوجهي، فيما هي مفتوحة على مصراعيها أمام الآخرين دون عناء، والجواب.. مافي جراحة».
نقل الطبيب عيسى أمين للعمل بمركز قرية جدحفص الصحي «كان المركز عبارة عن غرفة صغيرة وحمام ونافذة خصصت كصيدلية، والمرضى يقفون طابوراً خارج المركز، وتحت الشمس الحارقة، والمركز خال من أجهزة التكييف، يدخل المريض من باب ويفحص، ويخرج من الباب الثاني، ويلف حول المبنى ويتسلم الدواء من النافذة ويغادر».
ويضيف عيسى «مراجعو المركز كانت تتراوح أعدادهم مابين 100 إلى 130 مريضاً يومياً، وفي هذه الفترة شعرت بانتمائي للقرية، اكتشفت في أهل القرية البساطة والطيبة وعفوية التعامل واحترام الطبيب».
طيبة التعامل وعفوية إنسان القرية وبساطته واحترامه للآخرين، جعلت من عيسى أمين يوطد صلاته بالقرية، وهو إلى اليوم يحتفظ بصداقات وعلاقات منذ السبعينيات مع مرضى عالجهم.
أنهى عيسى خدمته في جدحفص، وتحولت بقرار من وزارة الصحة إلى طبيب في قرية كرزكان «رغم ما شعرت به من عزلة، إلا أني شعرت بالغبطة في معالجة أناس يقابلون الحب حباً والود وداً».
يقول عيسى أمين «انتهيت من العمل في كرزكان وبعدها جاء دور المحرق ثم النعيم، في النهاية كان هناك سؤال يراودني ماذا بعد؟ فأنا كنت الأول مرتين، وأريد التخصص في الجراحة، ودائماً الجواب جاهز.. لسنا بحاجة طبيب جراح».
عيسى أمين يحارب الكوليرا
في السبعينيات وتحديداً في رمضان هجمت الكوليرا على البحرين، طلبت «الصحة» أطباء متطوعين للعمل في قسم الكوليرا «كنت أول المتطوعين للعمل في القسم، وكان على ما أذكر في السلمانية المبنى القديم».
بعد انتهاء أزمة الكوليرا في البحرين بشهر ونصف، احتاجت الوزارة طبيباً في قسم الجراحة فاستدعيت في الحال، عملت في القسم نحو 6 أشهر، وفي هذه الفترة تقدمت بطلب لوزارة الصحة لابتعاثي لدراسة الجراحة فرفض الطلب، وقالوا حسب خطة الوزارة لسنا بحاجة لابتعاث طبيب جراحة، لكن هناك فرصة لطبيب نفساني، وإذا كنت تنوي دراسة التخصص عليك بتقديم طلب».
تعلم عيسى أمين من والدته الإصرار والتحدي، وهو ما دفعه لاستقطاع جزء من مرتبه وكان حينها لا يتعدى 120 ديناراً لمتابعة دراساته «راسلت الكلية الملكية الإيرلندية، وقلت لهم بالحرف الواحد.. أنا طبيب بحريني وأنوي التخصص في الجراحة بإيرلندا كيف لكم أن تساعدوني، وجاء الرد.. باستطاعتك أن تحضر إلى إيرلندا، وتقدم الجزء الأول ونجاحك من يحدد بقاءك من عدمه».
في فبراير 1973 وعند الساعة 12 ليلاً وصل عيسى أمين إلى لندن «الوالدة كانت لا تزال تعتبرني طفلاً صغيراً يحتاج الرعاية والاهتمام، ولشدة خوفها علي من برد لندن، حملتني برنوصين ربطتهما بحبال على ظهر الشنطة، لعدم وجود متسع لهما داخلها».
في مطار لندن بدأت مشاكل لم يكن عيسى ليتوقعها، وكان الحوار مع ضابط الجوازات.
- أين أنت ذاهب؟
إيرلندا
- وما سبب الزيارة؟
الدراسة
ـ ومن يساعدك في مصروفك؟
أملك مبلغاً من المال أعتزم إيداعه في البنك.
ـ ليس بمقدورك الذهاب إلى إيرلندا، أنت لا تملك «فيزا» لدخول البلد.
وهل أنا بحاجة إلى «فيزا»؟
ـ نعم ألم يكن لديك علم بذلك.
كل ما أعرفه أن دخول لندن يعني دخول إيرلندا.
- أبداً تدخل لندن ثم تتوجه بعدها إلى السفارة الإيرلندية، وإذا أعطوك «فيزا» أصبح بإمكانك السفر إلى هناك، وإلا فعليك الاختيار بين البقاء في لندن أو العودة من حيث أتيت.
اضطر عيسى أمين لإكمال الإجراءات ودخل لندن لأول مرة في حياته، في بلد مترامي الأطراف لا يعرف فيه أحداً، ولا أحد بإمكانه اللجوء إليه طلباً للمساعدة.
بين لندن وإيرلندا
مكث عيسى 7 أيام في لندن لإتمام إجراءات دخول إيرلندا والحصول على «الفيزا»، وبعد حصوله عليها سافر مباشرة إلى ايرلندا والتحق بالدراسة في الكلية «الحياة هناك كانت غالية جداً وما أحمله من مال كان بسيطاً ومحدوداً، فاضطررت إلى تكرار تجربة القاهرة بالسكن مع الطلبة، كان زملائي في السكن يدرسون الطب، وكنت أساعدهم بمادة الجراحة، واجتزت الجزء الأول من الدراسة في الكلية بنجاح».
يقول عيسى أمين «تسلمت الجزء الأول من الزمالة وأبرقت إلى البحرين، لإعلام الوزارة بأني موجود في إيرلندا للدراسة، وأود إبلاغهم بهذه الرسالة، لأني عندما غادرت البحرين كنت في إجازة، ولم أبلغهم بنيتي في الدراسة تجنباً للعراقيل».
تقدم عيسى للعمل في إيرلندا «رغم أني عملت طبيباً في البحرين لسنوات، ولكن لم أكن أحمل شهادة خبرة تثبت ذلك، فرفضوا توظيفي لعدم توفر الشهادة».
رفض الإيرلنديين توظيف عيسى حمله للعودة إلى لندن «ركبت الباخرة للمرة الثانية، رغم خوفي من ركوب البحر، كان موعد السفر الثانية عشرة بعد منتصف الليل، وتصل عند الرابعة فجراً، كان البرد ينخر اللحم والعظم، وأنا مشغول البال لا وظيفة مستقرة ولا دراسة، وبالتأكيد لا عودة للديار وأنا أجر أذيال الخيبة».
أصر عيسى على مواصلة التحدي وتحقيق ما جاء من أجله رغم قساوة الظروف «سافرت بالباخرة على سطح السفينة، كنت أستمع لصوت الموج وكأنه يخترق ضلوعي، ويوقظني كلما حاولت الاسترسال في النوم، كانت ليلة مرعبة ومخيفة، وجل همي أن يسفر الصبح عن وجهه وينقذني من كابوسي المرعب».
ويضيف «بعد الوصول إلى بريطانيا عليك استقلال القطار من ليفربول إلى لندن، وهناك عليك أن تركب ميترو ليقلك إلى المستشفى لبدء رحلة البحث عن عمل، ورغم أنك تعيش في لندن، لا بد أن تكون على اتصال مع إيرلندا بحثاً عن فرصة دراسة أو عمل، هذا كان حالي باختصار».
طبيب طوارئ 24 ساعة
أخيراً جاء الخبر المفرح بوجود وظيفة تنتظر عيسى في إيرلندا ولكن لمدة شهر واحد فقط «ما في مشكلة» قال لنفسه، ومن فوره حزم حقائبه وركب الباخرة متوجهاً إلى إيرلندا «عاد رعب البحر وصفير أمواجه يلاحقني طوال الرحلة، لكني تسلحت هذه المرة بالأمل في وظيفة تنتظرني».
عاد عيسى إلى إيرلندا، والوظيفة كانت في قسم الطوارئ «كان هناك ثلاث مستشفيات تتبادل العمل بينها، بواقع يومين لكل مستشفى، بينما يعمل قسم الطوارئ على مدار 24 ساعة، سكنت في المستشفى لأكون قريباً من المرضى، وواظبت على الدوام خلال ساعات الليل والنهار دون انقطاع، استغللت كل لحظة في التعلم ولم أضيع لحظة دون فائدة أجنيها من مناوبات مليئة بالحوادث، أصبحت مميزاً في دوامي حتى وصل الخبر لمسؤول المستشفى، بوجود طبيب بحريني في قسم الطوارئ يربط الليل بالنهار ولا يتوقف عن العمل، طلبوا مقابلتي وكان يدعى البروفيسور مجاون، وفعلاً ذهبت لمقابلته، وقلت له ببساطة:
-أنا قادم من البحرين وأحاول التخصص في الجراحة.
-سمعت عنك، وسأختبر مستواك بغضون أسبوع.
الأسبوع التجربة طال 3 أشهر «ثم اجتمع بي البروفيسور وأخبرني أن بإمكاني التقدم لمجلس الجراحة، وطلب عقد عمل لمدة سنتين والخضوع لتدريب بشرط، قبل أن أنهي السنتين علي أخذ الجزء الثاني من الزمالة، وكل 6 أشهر يكتب عني تقريراً، وأي تقرير يؤكد أني غير مقبول أخسر البرنامج وتلغى الوظيفة والفيزا وأعود أدراجي إلى البحرين».
ويقول عيسى أمين «قال البروفيسور.. هذا التحدي الوحيد المطلوب منك تجاوزه، أما ما تبقى من البرنامج فهو من مسؤوليتنا، ونحن من يتكفل بتدريبك».
المقابلة خلقت لدى عيسى أمين روح التحدي، حتى بات جزءاً من كيانه «صبر الوالدة، وإصرار الإخوة على متابعة دراستي، والعمل في المراكز الصحية بالقرى، كل هذه زادتني إصراراً وتحدياً، أنا غريب في مجتمع لا أعرف أحداً فيه، ويجب أن أثبت نفسي أمام الجميع».
ويواصل عيسى حديث الذكريات «عندنا تجد المبدع يحارب والناجح لا يكافأ، إلى اليوم أقرأ ما يكتب الطلبة الأوائل وما يعرض عليهم من بعثات، هم يواجهون نفس المصير الذي واجهته قبل عقود، الاستثمار في البشر أهم استثمار، التنمية البشرية أهم شيء يجب أن تركز عليه أية دولة تريد أن تنمو وتصل إلى مستوى متقدم في خدماتها الإدارية والتعليمية والاقتصادية».
مكافأة بمكافأة
قبل أن تنتهي مهلة السنتين قابل عيسى مكافأة الإيرلنديين بمثلها «تزوجت بإيرلندية كانت تعمل ممرضة في نفس المستشفى، حدث هذا عام 1974، لم يسألني أحد عن أهلي، وما أملك، فقط تقدمت لخطبتها وتزوجت».
والد العروس تكفل بمصاريف حفلة الزواج كاملة «كرماً واحتراماً وإنسانية منهم تجاه كل غريب، عاش بينهم وفضل أن يبقى في بلدهم على السفر إلى بلده، تزوجت وأنجبت ابنتين، وبعد التخرج انفتحت أمامي أبواب كل المستشفيات».
درس عيسى أمين مادة التشريح في الجامعة إضافة إلى عمله في قسم الجراحة «ليس هذا فقط، فأنا عملت في إيرلندا بكل عزيمة وإصرار، وتمكنت من مساعدة بحرينيين من وزارة الصحة للعمل في إيرلندا، وفي فترة لاحقة بعد عودتي إلى البحرين، أنا أول من أحضر الإيرلنديين إلى البحرين، لعقد اتفاق بين أطباء بحرينيين ووزارة الصحة في إيرلندا، وجرى توقيع العقد في فندق جولدن توليب ـ الهيلتون سابقاً ـ بحضور وزير الصحة حينها د.علي فخرو ومحمد رحمه التاجر وعيسى أمين، ووقع العقد عن الجانب الإيرلندي البروفيسور مجاون».
ويضيف أمين «كان مجاون حينها يعمل في جامعة الملك فيصل بالدمام ـ كلية الطب، وعندما انتقلت للعمل في مستشفى قوة الدفاع، وقعت أول عقد مع الجامعة الإيرلندية، الموجودة حالياً بالبحرين لتعليم الأطباء البحرينيين، وعملنا معهم برنامجاً تعليمياً مشتركاً، وتبادلنا زيارات استفاد منها ما يقارب من 20 طبيباً بمستشفى الخدمات الملكية في مختلف التخصصات في إيرلندا، وكلهم تخرجوا وموجودون اليوم في البحرين لخدمة بلدهم».
عيسى أمين يؤمن بالمثل القائل «ما يحك ظهيرك إلا ظفيرك»، ويقول «علينا أن نعترف نحن بحاجة إلى تخصصات من الخارج في العديد من المجالات، لكن بشرط ألا يكون هذا التخصص موجوداً بين البحرينيين، ما يعني عندما أجلب تخصصاً من الخارج عليه أن يفيد الموجودين بالبلد وينمى قدراتهم، وغير ذلك فإن كل البناء الهرمي والتسلسل الموجود في المستشفيات سيكون مصيره الهدم».
ويتابع «للأسف أقولها بمرارة اليوم نشاهد تخريباً في بنيان عملنا على تأسيسه لسنوات طويلة تعاقبت عليه أجيال وأجيال، وما يقارب من 40 سنة من عمرنا ونحن نعمل على تشييد الكيان طوبة وراء طوبة للوصول إلى مستوى متطور في مجال الطب».
خارج المستشفى الجامعي
يقول عيسى أمين «أنا اليوم موجود في عيادة خاصة، بينما من المفترض أن أكون في مستشفى تعليمي أو مستشفى حكومي، لكن بكل أسف أقولها وللمرة الألف بكل مرارة هذا الشيء غير متاح وغير موجود، ولم يعرض على أي طبيب منا أن يكون في المستشفى الجامعي، وهذا خطأ كبير، لماذا هذا التهميش سؤال أكرره وغيري من أطباء بإمكانهم تقديم الكثير خدمة للوطن وأهله».
ويسأل أمين «لماذا عندما تعمل في أيرلندا تقام لك حفلة في نهاية الخدمة، ويقدم لك راتب شهر هدية لأنك لم تأخذ إجازة، وعندما تعمل في وطنك لا أحد حتى يريد مقابلتك؟».
وللحوار بقية.. البحث التاريخي وجمعية تاريخ وآثار البحرين.