هناك جدل يدور بشأن التصريحات التي صدرت عن عضو مجلس النواب عيسى الكوهجي التي طرق فيها موضوعاً «حساساً جداً» بالنسبة إلى كثير من النواب، ونعني به تقاعدهم النيابي.

وبحسب ما قاله النائب وهي ليست المرة الأولى، فإنه يتوجب في ظل الظروف الاقتصادية التي نمر بها أن يتم التعامل مع هذا الموضوع بنظرة فيها مسؤولية تجاه المواطن.

كتبت هنا سابقاً كثيراً عن موضوع تقاعد النواب، وطرحنا وجهات نظر عديدة، كلها تركز في عملية تقديم المصلحة العامة للوطن والمواطن، وأن المثل يجب ضربه بالنواب أنفسهم، بل بمبادرة منهم، باعتبارهم صوت الناس والناقلين لنبضهم والمدافعين عن حقوقهم، إذ هذا الحال الذي يفترض أن يكون.

نحن مؤيدون لكل طرح عقلاني فيه تعامل مسؤول مع الأزمة التي تمر فيها البلاد، لكن شريطة أن يصب «تماماً» في صالح المواطن، لا أن يكون بالعكس، إذ للأسف بعض المعالجات لا ينطبق عليها وصف «معالجات» لأنها سببت قلقاً لدى الناس، وفرضت التزامات أكثر عليهم.

وهذه المسألة بحد ذاتها جعلت المواطن نفسه يتحدث ويلتفت يمنة ويسرة، ليبحث عن أمثلة لبدائل ويقول «لماذا هذا القطاع؟»، أو «لماذا هؤلاء الناس؟».

هنا حديث الناس عن تقاعد النواب أمر مفهوم، خاصة لو قارنا ذلك بالانطباع السائد لدى الشارع البحريني بأن كثيراً من النواب خذلوا المواطن، في شعاراتهم ووعودهم، وفي حراكهم، والأهم في دفاعهم عن مكاسبه ودرء الضيق عنه.

الفكرة هنا، أن ما حصل حصل، وللأسف قولنا ذلك، إذ بسبب بطء المعالجات الإدارية بات النمط العام يتجه بسرعة لفتح الصفحات الجديدة ونسيان ما مضى، وكأننا بفعلنا هذا نقنع أنفسنا بأننا «صححنا» الأمور، لكنها ليست كذلك، بل محاولة للهروب من الواقع، وعدم اعتراف بالفشل، رغم أن الفشل قد يكون سبباً من أسباب النجاح، لو اعترفنا بذلك أقلها.

سلمنا بالأمر، وقلنا لنفتح «صفحة جديدة»، طيب لماذا لا نفتحها بشكل صحيح، بحيث نؤسس لأشياء إيجابية تفيد الوطن والمواطن، وتكون ضمن نسق «التفكير الذكي»، و«التعامل الأذكى» مع الظروف تحت أوضاع «إدارة الأزمات»؟.

أسقط ذلك على موضوع تقاعد النواب، والذي سعى له النواب أنفسهم قبل ثلاثة فصول، وأقول: «آمنا بالله» وحصل الذي حصل، وأنشئ فجأة صندوق للتقاعد خاص بهم يكلف الملايين، وميزهم عن بقية البشر في مساواة بل تفوق نسبهم التقاعدية عن المواطن بغض النظر عن المدد الزمنية.

لنؤسس شيئاً صحيحاً ومفيداً للمستقبل وأجياله، فإن كان من توفير للمال العام يمكن أن يسهم هذا الجانب بملايينه العديدة، فمثلاً من يقدم على الترشح للبرلمان أولاً يستوعب أن ما يقدم عليه خدمة للوطن والمواطن، لا خدمة لنفسه وجيبه، وبناء عليه قد تكون فكرة تنظيم تقاعده من قبل الحكومة بناء على عمله السابق كشراء خدمة افتراضية له بحسب النظام المتبع وإحالته للتقاعد، قد تكون حلاً، بحيث يضمن تقاعده نظير خدمته وعمله، ويحصل على مكافأته النيابية طوال فترة وجوده بالمجلس، وعند خروجه منه ينتهي الارتباط، بلا تقاعد ثان، لأن لديه تقاعده الأول، وعليه نكون وفرنا مبالغ طائلة، وضمنا للناس حقوقهم، وساعدنا الدولة في تقليص نفقاتها.

يتداول الناس أن هناك من لديه تقاعدان، وهنا المنطق لا يستقيم، وأقول منطق، إذ التقاعد واحد، ولا يعقل أن أحصل على راتب تقاعدي من كل اتجاه، في حين يعاني كثير من البشر من تدني الرواتب وشحها، بل وصلنا لمرحلة نرعبهم على تقاعدهم وعلاواتهم السنوية ومكافأة نهاية الخدمة.

فكروا فيها بمنطق وعدالة، كتأسيس للمستقبل، باعتبار أن هذا تمثيل شعبي أصحابه - يفترض - أنهم يعملون للناس، وليست وظيفة تعمل لأجل راتبها كهدف رئيس من أهدافها.

فقط اتساءل لو كان التمثيل النيابي بلا مكافآت ولا تقاعد ولا علاوات ولا بدلات، بل كان لوجه الله ولأجل الوطن والمواطن، هل سيترشح أحد؟!