* يتحدثون عن أوراق ذلك التقويم الصغير المعلق على حائط بيتهم، فهم لم ينتبهوا إليه إلا بعد أن اكتشفوا أن العام قد تصرم وقد ظنوا أنهم في اليوم الثاني من عامهم!! لقد اكتشفوا أن الأيام مضت بسرعة ولم يلحقوا تمزيق كل ورقة في يومها المحدد.. فقد مضى العام الهجري 1439هـ كسرعة البرق الخاطف وكنا بالأمس نبارك للجميع بقدومه.. لا نستغرب تلك السرعة.. لأن الأسبوع يمر وكأنه يوم واحد في تقويم الحياة.. بالفعل سرعة مخيفة يظل معها الحليم حيراناً.. في زمان بتنا نلهث فيه بحثاً عن لقمة العيش تسد جوعتنا.. لم نلتفت بعد لأنفسنا لأننا مازلنا نعتقد أن مثل هذه المعاني إنما هي من فتات الحياة.. فبتنا نمرح في أرض سنكون تحت ترابها يوماً ما.. نعم بكت عيني لأني أجد نفسي بحاجة إلى استثمار كل نفس أتنفسه في طاعة الله تعالى.. وكم تمنيت لو عدت قليلاً إلى الوراء لأزرع وردة في كل قلب أصافحه.. فهو الذي سيبقى في ميدان الحياة.. أبكي لأني أحب الخير وأحب كل من يسكن قلبي.. وأحب له الخير حتى نسير معاً في ركاب الأجور.. اعذروني فالدمع أحياناً يغسل أدران النفوس في دنيا تستعجل بنا نحو الأجل المحتوم. * كلما حلت ذكرى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كلما تذكرت العظات الجميلة والدروس الرائعة التي يجب أن نتأملها جيداً في مسير الحياة.. فقد علمتني هجرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أهمية اختيار الصحبة الصالحة والصداقة الحقيقية الوفية التي ستعينك على الخير في طريق الحياة وستكون لك نعم المعين.. وعلمتني أهمية الأخذ بالأسباب في كل أمور الحياة ومن ثم التوكل على الله والثقة به ومعيته سبحانه وتعالى.. علمتني أن أهجر كل تفاهات العيش وأزهد في تلك الهوامش التي تلهيني عن القرب من مولاي الكريم.. وعلمتني أن أجعل حياتي كلها لله ولا ألتفت لأي إغراءات دنيوية تثنيني عن العيش في كنف المولى الكريم.. كما علمتني معاني الصبر على ابتلاءات الحياة وعراقيلها، والصبر على منغصات البشر.. فإنما الإنسان في رحلة صعبة عليه أن يتعظ بكل محطة يرتحل إليها قبل أن يسدل الستار على حياته وتنتهي أنفاسه.

* كنت في مشوار إلى خارج المحرق وكنت على أمل أن أعود إلى مسجد الحي في الوقت المناسب لأصلي المغرب.. ولكن تداركني الوقت مع زحمة الطريق ومع موعد إقامة الصلاة كنت في الطريق المزدحم.. وتساءلت: كيف ستكون مساجدنا لو حرص كل شخص في هذه السيارات الكثيرة أن يوقف سيارته ويصلي في المسجد القريب؟ وهل أضحت مشاغلنا أهم من عشر دقائق نقابل بها المولى تعالى في صلاتنا؟؟ الحال هو الحال لجميع الصلوات وبخاصة صلاة الفجر التي تخلو الشوارع من الناس.. ويا ليتهم في المساجد.. ولكنهم نيام في بيوتهم..

* تعجبني تلك النفوس الصابرة الصامدة التي تحب الجميع ولا تخسر أي علاقة بنتها في محافل الحياة.. نفوس رائعة لا تحلل كل شيء ولا تدقق في كل تفاصيل الأمور والعلاقات وأقاويل الناس.. لأنها بالفعل سوف تتعب وسوف تضر أحاسيسها بدلاً من أن تكون هي القريبة من مشاعر الآخرين.. نحتاج بالفعل أن نعود أنفسنا على مثل هذا الأسلوب الذي سيكون له التأثير الكبير تجاه كل من نتعامل معه.. في المقابل هناك من الشخصيات التي لا تتحمل أبداً أي ردة فعل من الطرف الآخر.. فتفسره على أهوائها.. وبالتالي ما تبرح أن تتخذ قراراً حاسماً قد تخسر على أثره الكثير.. نحتاج أن نقرر في مرحلة ما قرارات حاسمة تحفظ لنا كينونة حياتنا، وتحفظ نجاحاتنا وسعينا في الخير.. ولكن لنحذر من بعض القرارات الخاصة بعلاقات الأفراد التي قد تكون نتائجها وخيمة نوعاً ما. * أعجبني مصطلح «مهندس فن الاستمتاع بالحياة» أو «مهندس الفرح» لأننا بالفعل نحتاجه في ظل هذه الحياة السريعة ومنغصاتها الكثيرة وحوادثها الأليمة.. فكم نحتاج أن نهندس حياتنا بصورة بهيجة ونحسن استمتاعنا بها بما يرضي الله تعالى، ولا نلتفت لهموم العيش والتفكير في الماضي الأليم أو القادم المجهول.. لأننا لو أمعنا النظر فيهما وبخاصة في صفحات المستقبل لتوطن الألم في نفوسنا وبتنا نخاف من لحظات المجهول القادمة.. وكم نحتاج أن نحول كل حياتنا ولقاءاتنا وأعمالنا وهمساتنا إلى فرح واستمتاع باللحظات قبل أن تغادرنا إلى الأبد! نؤمن بمعنى قوله تعالى: «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون». ونؤمن أن في كل قدر هو خير لنا، وفي كل ابتلاء هو تمحيص لنا، وفي كل حدث هو تنبيه لنفوسنا.. فقابل كل شيء بابتسامة رضا وانهض لتواصل المسير كما سار على أثره من سبقنا.. فكانوا يتجاذبون أطراف الحديث فيتحدثون عمن سبقهم ويتذكرون محاسنهم ويمشون فيما بعد في جنائزهم.. ثم فجأة رحلوا كما رحل من سبقهم.. وبات من بعدهم يترحم عليهم ويتذكر جميل صنيعهم في الحياة وروائع الأثر الذي تركوه في مسير حياتهم.. هكذا هي قصة الحياة.. نحتاج فيها أن نملأ حياتنا فرحاً وسروراً ونحاول أن نغير ذلك التفكير العقيم الذي يداهمنا بين الفينة والأخرى.. تفكير المجهول والخوف من الأقدار.. وكيف ستكون باقي الأيام.. هندس حياة الفرح في حياتك.. مع بداية عام 1440هـ.

* سيظل معك في طريق الخير وصناعة الأثر أولئك الذين أحبوك بصدق وفهموا عمق التفكير الذي تفكر به في طريق الخير.. أما أولئك الذين حاولت أن تغير تفكيرهم وأن يكونوا بجنبك في طريق الحياة، أو على الأقل أن يكونوا لبنات خير في بناء صروح الخير.. ولكنهم لم يقبلوا أبداً لأن سمتهم لا يتناسب أبداً مع معطياتك.. فأولئك إنما تضيع أوقاتك معهم بلا فائدة مرجوة.. لأنهم سيبقون يراوحون مكانهم ويتذمرون على كل شيء كما هو طبعهم!!

* ومضة أمل:

اللهم اجعله عام خير وبركة وسعادة علينا وأهلينا وذرياتنا وأحبابنا ومحبينا، وألبسنا فيه لباس الصحة والعافية وأعذنا من الشرور والآثار وسيئ الأسقام، وبارك لنا في أعمارنا وأرزاقنا ووفقنا إلى صالح الأقوال والأفعال وإلى ما تحبه وترضاه.. اللهم آمين.