نكنُّ للسلطة القضائية ورجالاتها وقضاتها بالغ الاحترام والتقدير، ولا نشك قيد أنملة في استقلاليتها ونزاهتها وحياد أحكامها والناطقين بها، ولكن نقطة الخلاف تدور حول بعض القوانين التي لا يملك القاضي إلا أن يعود إليها عند الحكم في القضايا المعروضة أمامه.

ولما كانت دورة التشريع بطيئة وأولوياتها متباينة، ظل مشروع قانون الصحافة يراوح مكانه في أدراج السلطة التشريعية منذ أعوام عديدة، على الرغم من التصريحات المتكررة بشأن طرحه للمناقشة واستشارة المعنيين بشأنه. هذا التأخير والتجاهل والمماطلة لا بد وأن يكون له ثمن كبير يدفعه العاملون في بلاط صاحبة الجلالة، والمجتمع بصفة عامة، باعتبار أن الصحافيين يؤثرون في توجهاته لا بل يقودونه في كثير من الأحيان.

ولعل من أبرز النقاط الجدلية التي ينتظر أن تبحثها السلطة التشريعية في مشروع القانون، مسألة حبس الصحافيين، تلك المسألة التي تنبه حضرة صاحب الجلالة عاهل البلاد المفدى، وصاحب السمو الملكي رئيس الوزراء لخطورتها، فأكدا غير ذات مرة على أن «لا يحبس صحافي»، كما قد تنبه المعنيون إلى وجود ثغرة تشريعية حيال هذه المسألة وبذلك فقد درجت أحكام المحاكم على اختلاف درجاتها في أحكامها بالقضايا المختلفة المرفوعة على الصحافة على عدم الحكم بالحبس والاكتفاء بالغرامات أو حفظ القضايا أو الحكم بعدم الاختصاص وهو مسلك استقر عليه القضاء البحريني لسنوات وكان منبع احترام أبناء المهنة وتقديرهم.

ولذلك كانت صدمة الوسط الصحافي كبيرة عندما قضت المحكمة الكبرى الجنائية الثانية بحبس رئيس تحرير صحيفة «الوطن» الأستاذ يوسف البنخليل شهراً مع وقف التنفيذ وكفالة 100 دينار، واستبداله بعقوبة يدوية بديلة.

إذا كانت الصحافة سلطة رابعة كما وصفها كبار الساسة والمفكرين منذ قرون مضت، وبالتحديد ابتداءً من القرن الثامن عشر عندما خاطب النائب الإنجليزي «إدموند بيرك Edmond Burk» الصحافيين في مجلس العموم قائلاً: «أنتم السلطة الرابعة في الدولة»، وجاء من بعده، في القرن التاسع عشر، اللورد «توماس ماكولي Thomas Macaulay» الذي جعل للصحافة هذا الوصف في العام 1823، حيث قال: «إن الحي الذي يستقر فيه رجال الصحافة قد غدا اليوم السلطة الرابعة للمملكة».

ثم كان المرحوم الدكتور محمود عزمي أول من استعمل هذا التعبير -عربياً- في مقال له نشر بمجلة روز اليوسف في 7-9-1935، ووصف فيه الصحافة بأنها السلطة الرابعة ومن سلطات الدولة إلى جانب الهيئات التشريعية والقضائية والتنفيذية.

نقول إذا كانت هذه هي الصحافة كما استقرت في ضمير المجتمعات الديمقراطية، فإن على السلطات الأخرى الثلاث التنفيذية والقضائية والتشريعية، في أي دولة ديمقراطية، احترامها وتوفير الضمانات الكافية لها للاضطلاع بواجباتها دون تخويف أو ترهيب.

فكما ﻻ يجوز حبس الوزير بمناسبة القيام بواجباته الوظيفية، وكما للنائب حصانة أثناء فترة عضويته، وكذا بالنسبة للقاضي أثناء عمله، فلا يجوز حبس الصحافي وﻻ رئيس التحرير بمناسبة أداء واجبهما المهني، فنشر الأخبار ونقل التصريحات وجمع الآراء واستقصاء الأفكار ووجهات النظر، وعمل التحقيقات والتحليلات، جميعها واجبات مهنية بحتة يؤديها الصحافي ورئيس التحرير بمناسبة أدائه لعمله، وهي من صميم طبيعة العمل الصحافي البحت.

وفي المقابل يلتزم الصحافي والصحيفة التزاماً مهنياً وأخلاقياً وقانونياً بحق الرد ونشره بالكيفية المنصوص عليها في القانون، وبذلك كفل القانون حقوق الأطراف كافة بما يجعل العمل بعقوبة حبس الصحافيين اجتراء لمكانة السلطة الرابعة وتهديداً لاستقلاليتها وتقليلاً من شأنها ونيلاً من حريتها.

سانحة:

في رسالتي للماجستير عام 2014 والموسومة بـ«المسؤولية التأديبية للصحفي»، نبهت إلى ضرورة إسراع السلطة التشريعية في إصدار قانون الصحافة الجديد بتعديلاته التي تلبي طموحات الصحافيين بصدور قانون عصري مستنير ينظم مهنة الصحافة.

وما تزايد أعداد القضايا المرفوعة على الصحافيين أمام المحاكم والأحكام السلبية الصادرة في بعضها، إلا نتيجة حتمية لهشاشة التنظيم القانوني الناظم لمهنة الصحافة حيث إن المواد المتعلقة بالصحافة متناثرة بين القوانين ولا توجد تحت مظلة قانون واحد، وممارسة مهنة الصحافة في البحرين لا تستند إلى شروط واضحة ومقاييس محددة. لقد انتظرنا طويلاً.. طويلاً جداً.