الخرطوم - كمال عوض

انخفضت قيمة الجنيه السوداني، أمام الدولار الأمريكي في تداولات السوق الموازي، لمستوى تاريخي جديد لم تشهده البلاد من قبل. وبدأ التراجع بوتيرة سريعة في قيمة الجنيه، بعد أيام من إعلان حكومة معتز موسى رئيس الوزراء تنفيذ تحرير جزئي للعملة، ورفع سعر الدولار إلى 47.5 جنيه في تداولات المصارف التجارية، ليستمر يومياً حتى سجل الدولار رقماً قياسياً مقابل الجنيه. وقال متعاملون مع الأسواق الحرة، إن "أسعار شراء الدولار بلغت 60 جنيهاً للتعامل النقدي و70 جنيهاً للتعامل بالشيكات". وأضاف متعاملون، أن إقبالاً كبيراً ولافتاً على شراء الدولار من قبل المستوردين، في تداولات الأسواق، مع ندرة في المعروض من العملات الأجنبية.

وشنت السلطات الرسمية في الأيام الماضية حملة واسعة على تجار العملات في السوق السوداء وألقت القبض على العديد منهم وأودعتهم السجون تحفظياً كإجراء احترازي ولمجابهة التصاعد اليومي في ارتفاع الدولار. وتعرض الاقتصاد السوداني لهزات كبيرة في الأشهر الماضية مما انعكس سلباً على حياة المواطنين حيث شهدت السلع ارتفاعاً جنونياً بسبب تدهور قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية. وانتظمت صفوف السودانيين أمام المخابز ومحطات الوقود والصرافات الآلية بحثاً عن الخبز والمحروقات والسيولة النقدية.

وتوعد الرئيس السوداني عمر البشير، بشن حرب على الفساد في كل مكامنه وبتر مضاربين ومتلاعبين بالاقتصاد لديهم امتدادات داخل البنوك، فضلاً عن تطبيق قانون الثراء الحرام ومن أين لك هذا بصرامة. وقال البشير في خطاب شهير بالبرلمان إن الاقتصاد واجه بداية العام الحالي جملة مشكلات أدت إلى تدهور سعر صرف العملة الوطنية "الجنيه"، مقابل العملات الأجنبية. وأوضح أن ما تسبب في ندرة النقد الأجنبي وتصاعد تكلفة المعيشة هو مضاربة جشعة من حفنة من تجار العملة ومهربي الذهب والسلع التموينية، وهم قلة يتحكمون في كل شئ ولهم امتداد في الجهاز المصرفي ساعدهم في التهرب من توريد حصيلة الصادر. وقال "هناك شبكات فساد مترابطة استهدفت تخريب الاقتصادي القومي من خلال سرقة أموال الشعب وكان لا بد من تدخل رئيس الجمهورية بحكم مسئوليته الدستورية عن الاقتصاد الكلي الذي شهد استهدافاً مباشراً لضرب استقرار البلاد وزعزعة أمنها".

ونفذت الحكومة السودانية مطلع فبراير الماضي، إجراءات غير معلنة بتحجيم السيولة لدى المواطنين تجنباً لإيقاف تدهور الجنيه السوداني أمام الدولار، وشملت الإجراءات تحديد سقوفات سحب الودائع المصرفية بالمصارف التجارية وتجفيف الصرافات الآلية. وشهدت ماكينات الصراف الآلي بالعاصمة الخرطوم وفروع البنوك في الولايات ازدحاماً من قبل المتعاملين مع المصارف، بسبب المخاوف من تراجع الجنيه أمام الدولار، في وقت اشتكى فيه عدد من العملاء من عدم تمكنهم من صرف أموالهم بسبب نفاد النقود. وكان البنك المركزي السوداني أعلن عن تحديد سعر الصرف اليومي من خلال هيئة مشكلة من المصرفيين ومكاتب الصرافة في إطار حزمة إجراءات لمواجهة أزمة اقتصادية. كما قال البنك المركزي السوداني، مؤخراً، إن الخرطوم بدأت في طباعة عملة فئة 100 جنيه للمرة الأولى وسط أزمة في السيولة النقدية.

وتبذل الحكومة السودانية جهوداً مكثفة للحد من تهريب الذهب الذي يشكل مورداً مهماً وداعماً أساسياً للاقتصاد بعد خروج بترول دولة جنوب السودان عقب الانفصال. وشملت إجراءات مكافحة التهريب منع المواطنين والشركات من حمل كميات كبيرة من الذهب في حالة السفر للخارج. ويستخدم المهربون أساليب متنوعة، مثل حمله مع النساء المسافرات، أو تأجير نساء للتزين به وتسفيرهن للخارج.

وأصدر بنك السودان شهادة مضاربة "بريق"، لتمويل الذهب تصدرها شركة السودان للمعاملات المالية يساهم فيها الجمهور وتبلغ قيمة الصكوك 3 مليار جنيه وتوقع أن يزيد العائد منها بنسبة 25%. وقال محمد خير الزبير أن البنك سيستمر في شراء الذهب عبر الوكلاء المعتمدين بموجب عقود بينهم وبين بنك السودان المركزي دون قيود لعدد من الوكلاء شريطة استيفاء شرط العقد بجانب الشراء المباشر عبر نوافذ البنك . ولفت إلى أن السياسة التي وضعها البنك ستهم في الحد من التهريب بجانب إعطاء المنتج سعر مجزي.

وعانى السودانيون لفترة طويلة من العقوبات الأمريكية التي فرضت عليهم عام 1997 ورفعت قبل عام. كما خسر الاقتصاد السوداني 75% من إنتاج النفط الذي كان يبلغ 470 ألف برميل يومياً بانفصال جنوب السودان عنه عام 2011، والذي كان يمثل المصدر الرئيس للعملات الأجنبية التي يستخدمها لاستيراد المواد الغذائية.