* كنت في حوار شيق مع صديق عزيز يحب الخير ويهوى العيش في ظلال الأجر.. وأثناء حوارنا حول الحياة وسرعتها وأهمية غرس الأثر.. اتفقنا أن نرفع شعار «صمت الأثر» ليكون متوافقاً مع خبايا الأجور للنفوس، ومع مقتضيات هذا الزمان الذي لم يعد ذاك الزمان الأثير إلى القلوب.. نعم اعمل بصمت من أجل نثر البذور لتحصد فيما بعد تلك النخلة الباسقة لحصد الأجور.. فلا تكتم أنفاسك بمتاعب الحياة، ولا تفكر في تلك العلاقات الفاترة التي انقطعت حبال الود فيها لسبب أو لآخر، ولا تلتفت لفلان «قال» وغيره «زعلان» وآخر «يتكلم عليك» وآخر «تغير عليك» أو «مستاء من تصرف معين بدر منك»، فما عليك إلا أن «تقوي قلبك» وتراجع ضميرك وتخليه مرتاح، وتجعله مرتبطا برضا الكريم المنان.. فإذا وجدته «صامتاً بأثر جميل» فواصل المسير و»خلك مرتاح» بابتسامة الإنجاز التي تعودها منك المجتمع.. فهناك الخير الكثير الذي ينتظرك ما دمت تلتقط أنفاسك.. سل الله تعالى أن يجعلك من الساعين في الخيرات، وأن يمد عمرك في طاعتك، وأن يجنبك مزالق الشيطان، وأن يصرف عنك كل سوء، وأن يسخر لك عباده الأخيار الذين يحبون أن يمدوا لك أياديهم في مسير الخيرات، ومن «يتحملون فيك».. وفق الله الجميع إلى كل خير.

* في كل مرة تطفح على السطح قضية ساخنة تؤرق الناس وتأخذ مساحات كبيرة من حياتهم وأوقاتهم ومناقشاتهم.. أقول في نفسي.. ما الفائدة المرجوة بعد كل هذا الوقت الطويل الذي قضاه الناس في الانتقاد اللاذع لقضايا ساخنة بعينها.. فماذا سيحصل في نهاية المطاف؟؟ قررت أن لا أهتم بمثل هذه القضايا التي أسرف في إضاعة الوقت من خلالها من خلال متابعة مستجداتها، أو قراءة سطور التعليقات الكثيرة التي تنشر تحت الموضوعات في حسابات وسائل التواصل الاجتماعي.. لأنها بصراحة شديدة كما يقولون: «ضياعة للوقت».. فأمامي لحظة حاسمة تنتظرني الآن لصناعة «صمت الأثر»، فلا أستطيع إضاعتها بالقيل والقال.. وأهم رد على كل ذلك أن تواصل الإنجاز في الطريق العطاء ولا تلتفت للهفوات العابرة أو الأخطاء البسيطة، لأنها واردة في طريق الإنجاز. فلدينا بناء حقيقي لنفوسنا قبل الآخرين، حتى نستطيع تحقيق الإنجازات المرجوة في حياة قصيرة، فإن العمل الحقيقي المؤثر الذي تعمل له بصدق وإخلاص حتى ترسم أجمل الأثر. لا تشغل نفسك بالقضايا العابرة، فإنما يصنعها البعض لإشغالك عن الهدف الأسمى.. بل التفت إلى «عمل الآخرة» فهو خير وأبقى.

* أعجبتني مقولة سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «الإيجابية باختصار تتعلق بـ «نظرة الإنسان للأمور»، وهي النظارات التي يضمها الإنسان فوق عينيه عندما يشاهد العالم، أو يشاهد التحديات، أو يشاهد المستقبل، أو يشاهد الناس من حوله، أو يشاهد الحياة بشكل عام. فإذا كانت النظارة سوداء، رأيت التحديات صعبة، والمستقبل مظلماً، ورأيت الناس من حولك بعين الشك، ورأيت العالم مليئاً بالكوارث والمصائب والشر. أما إذا كانت نظرتك إيجابية، رأيت في التحديات فرصاً، وفي المستقبل نجاحاً، وفي الناس طاقات وإمكانات ومواهب وخيراً، ورأيت العالم مليئاً بالإنجاز والسعادة وسريعاً في التقدم والتطور».

* عجيب منهج البعض في ظل الأثر الفاعل لوسائل التواصل الاجتماعي، فلا هم له إلا تصيد عثرات ومعايب وزلات الآخرين، فبدلاً أن يكون حازماً على نفسه في فعل الخير وترك الأثر، تراه يشد من قوة يده على الآخرين بسبب أو بدون سبب.. نحتاج للارتقاء بنفوسنا، ولا نتتبع العورات والزلات.. روى أبو داود بإسناد صحيح عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنك إن تتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت تفسدهم». فتتبع عثرات الآخرين والتسرع في الحكم عليهم من الأمور التي تقع فيها مجتمعاتنا مع الأسف الشديد. ورد في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه: «أنه أتي برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمراً، فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به».

* ليس من السهولة أن تفرط في عقد الإخاء الذي يجمعك مع من تحب، وليس من السهولة أن تتخلى عن مكانتك في قلب من تحب، ولكن قد تضطر أحياناً أن تقسو على قلبك وتتغافل عن «محبة وهمية» لم يكتب لها النجاح في ميدان الحياة، حيث كانت مجرد لملمات فكرة عابرة، وصور مبعثرة لم يكتب لها أن تترتب في قصة حياتك. فإنما القلب يحن إلى تلك الأفئدة النقية التي مازالت تذكرك بالخير، وتحفظ الود الذي جمعك بها، والذكريات الجميلة التي كانت لك نبراساً في طريق الخير.. فعتبي على كل قلب حنون على أخيه، فقد جعل اسمه في دوائر الغمز واللمز والغيبة والنميمة، ولم يلتفت إلى أنه كان من الأجدر به أن يحفظ «ود أخيه» فلا يجعله عرضة لأحاديث الناس السيئة.

* يحتاج جيل الشباب اليوم إلى أن ينخرط في مجالس الكبار وينهل من معينهم، فيتعلم فيض الحكمة، ورجاحة الفكر، وقوة الحجة، ورقي التعامل، ونبل الأخلاق، وصدق المشاعر، ولطافة التعامل، وحب الخير، والاحترام المتبادل.. فالشاب عندما يمر في مرحلة عمرية معينة من حياته وتظل نظراته القاصرة أمام زملائه من نفس العمر، بلا توجيه ولا استشارة ولا محك عملي، تراه ينشأ خاوياً في كل شيء.. فمع حماسة الشباب لا بد أن تكسى بخبرات الكبار ونظراتهم الحياتية، حتى يؤدي الشاب دوره في المجتمع بصورة مقنعة وناضجة بعيداً عن التخبط والممارسة الخاوية من الخبرات. المجتمع اليوم يولي الشباب اهتماماً بالغاً في ظل التقدم الملحوظ التي شهدته الساحة على كافة الصعد، لذا كان لزاماً تتزين مجالسنا بمختلف الأعمار، حتى ندرس فيها خبرات الحياة المتعددة.

* ومضة أمل:

دعني أكتب لأبواب الحياة السعيدة أجمل سطور الود والامتنان.