طائر يحلّق ويحط كيفما يشاء..

نصيحة صديق.. لا تدع النجومية تنسيك أنك ابن الحالة والبائع المتجول

والدي ربّى أسرة عظيمة ومفتاح بيت العائلة لايزال بجيبي

«بهرام» كاد أن يُقتل أثناء تعلّم ركوب الخيل

أكثر من 60 عملاً مسرحياً بين التمثيل والإخراج والإعداد

عنوان طفولتي هو البحر الذي أحاط بيتنا

أيمن شكل – تصوير: نايف صالح

طائر حر حلق كيفما شاء، ورآه الجميع دون استثناء، إنه الفنان عبدالله ملك "بو تعب" الذي أكد في حواره مع "الوطن" حول مسيرة حياته أن أهم ما استفاده من مهنة التمثيل هو حب الناس وابتساماتهم عند لقائه. وسرد ملك طفولته التي خالطها التمثيل منذ البداية سواء في المدرسة أو نادي الحالة والكشافة ثم الدراسة الأكاديمية بمعهد التمثيل في الكويت والعودة للعمل في المسرح وصولاً للنجومية على الشاشة الصغيرة، لكنه وضع نصيحة صديق راحل نصب عينيه، والذي قال له "عندما تصبح مشهوراً، لا تنسى أنك ابن الحالة وابن البائع المتجول بالكرسي في الشوارع الذي ربى أسرة عظيمة ولا تتنكر لمهنته الشريفة". وقال إن عدد الأعمال المسرحية التي شارك بها تتنوع ما بين تمثيل وإخراج وتأليف، لكنها تتراوح ما بين 60 – 70 عملاً مسرحياً تنوعت بين نادي الجزيرة ومسرح أوال والمؤسسات الخاصة.

كيف كانت طفولة عبدالله ملك؟

- عشت في الدواعيس البسيطة بمنطقة جنوب حالة بوماهر وكان يحيط بنا عوائل «الدوسة» و«الصنقل»و«المعاودة» و«الحمر»، وتمركزت في منطقة الوسط بين أشقائي العشرة حيث سبقني 3 بنات وولدين، وكذلك من جاؤوا من بعدي، وأنا الوحيد من بينهم الذي توجه للفن والمسرح تحديداً، ولقد دفعتني البيئة من حولي واهتمام ورعاية والدتي بطريق غير مباشر للعمل في هذا المجال.

ويمكن أن نضع عنواناً لطفولتي وهو «البحر» لأن بيتنا كان يطل على البحر مباشرة وله مدخلان، فحين كان المد يرتفع لا نتمكن من الدخول إليه جهة البحر، ونستخدم داعوس «الصابات» من ناحية بيت الجلاهمة، ولقد مثل الصيد وقتها اللعبة والرزق في الوقت ذاته، حيث كنا نستخدم «الزراقية» لاصطياد أسماك «الميد» لوفرتها آنذاك بينما اليوم لا نكاد نجد منه الكثير، ولم تخلُ الطفولة أيضاً من لعب كرة القدم و«الصعقير» و«الخشيشة» و«الدوامة» و«التيل».

وكنا نقوم بحلاقة رؤوسنا في الصيف ونتحول إلى صلعان لتجديد الشعر، حتى إنني كنت قد اشتركت في عمل مسرحي بنادي الجزيرة وقتها، وعندما شاهدني المخرج أصيب بالصدمة.

من هو صديق الطفولة الذي استمر صديقاً إلى اليوم؟

- الصداقة ارتبطت معي بالأهل والأقارب من أولاد الخالة والعم، لكن أذكر الشيخ خليفة بن حسن آل خليفة الذي كان بيتهم قريباً من بيتنا، ومازلنا متواصلين، فضلاً عن العلاقات مع كوكبة من الرياضيين وأبناء نادي الحالة إلى اليوم.

وأذكر من أصدقاء الطفولة إبراهيم زويد وكامل غيث اللذين مثلا حماية لي من التنمر نظراً لحجم بنيتي الجسمانية الضعيفة، فحينما يحاول بعض الأطفال التنمر علي بسبب حجمي الصغير، كنت أستعين بهما في الوقوف والتصدي لهذه الهجمات باعتبارهما رياضيين ويتمتعان بضخامة جسمانية تكفي لردع المتنمرين، وفي أحد أيام الدراسة ذهبت للجلوس في مكاني بالفصل لأجد طالباً آخر وقد استحوذ عليه، فحاولت الدفاع عن موقعي لكنه تغلب علي وأصبت في قدمي، ولا أنسى تلك الواقعة لأنها ارتبطت بعقاب حدث قبلها من مدير المدرسة المغفور له بإذن الله تعالى مبارك سيار، حين حضرت في ذاك اليوم متأخراً عن موعدي فعاقبني بالضرب بإحدى مقتنياته من عصي الخيزران، ولأدخل الفصل وأواجه «معركة المقعد» وأنا مضروب قبلها بدقائق من المدير.

لكن تبقى المدرسة بالنسبة لي المكان الذي ظهرت فيه بدايات مواهبي الفنية، حيث تم تكليفي بإلقاء كلمة الصباح في الإذاعة والنداء على الطابور والنشيد الوطني.

مرحلة الشباب تعتبر محورية في حياة الرجال؟

- بالفعل فهي فترة القناعة بأن الصغير أصبح كبيراً ولابد أن يثبت شخصيته ولو على حساب معلميه في المدرسة أو الآخرين، ولعل موقفاً حدث مع معلم مصري حين طلب مني الوقوف أمام الطلبة وإجابة سؤال، لكني فشلت، فقال لي بالنص: هل سمعت أغنية أم كلثوم «إنت فين والحب فين» فقلت له بالتأكيد.. فرد قائلاً: يؤسفني أبلغك «إنت فين والنجاح فين.. قابلني لو نجحت هذا العام» وعندما نجحت وحصلت على الشهادة ذهبت إليه ووكزته في كتفه.. وقلت له «لقد نجحت وجئت لأقابلك».

كيف كانت بداياتك مع الفن والتمثيل؟

- علاقتي بالتمثيل والمسرح بدأت منذ الطفولة، ويرجع الفضل في ذلك إلى الأستاذ محمود عبدالغفار المشرف على الإذاعة المدرسية والطابور الصباحي بالمدرسة الابتدائية، كما أن الكشافة كانت أيضاً بوتقة لصقل موهبتي في التمثيل، ونفذت أول مسرحية في نادي الجزيرة عام 1969 حين كنت في الصف الرابع الابتدائي، وبقيت في مسرح الجزيرة حتى المرحلة الثانوية.

وشجعني زوج أختي الممثل محمد الجزاف على دخول معهد العالي للتمثيل في الكويت، وزاملني في رحلة الدراسة بالكويت الفنانون إبراهيم خلفان ومريم زيمان وسناء يونس، والتقيت هناك بالعديد من نجوم الفن في الخليج، مثل الفنان علي حسن والنجم محمد المنصور، والراحلة إبتسام حسين شقيقة الفنانات سعاد وسحر والتي اشتهرت بدور الزوجة الثانية للفنان سعد الفرج بمسلسل «الأقدار»، وأذكر حين جاءت لجنة لاختيار المرشحين للمعهد من الكويت، برفقة الفنان إبراهيم إسماعيل الذين حين عادوا قال لهم في المعهد «لقد أتيت لكم من البحرين بـ«محمد منصور البحرين».

ومثلت كوكبة الممثلين الزملاء في دفعة المعهد، الدافع للتنافس والتفوق، ولكن بقيت مشكلة اختلاف تعامل أساتذة المعهد مع النجوم وبقية الطلبة، فقد كنت أتلقى التوبيخ عندما أتأخر عن المحاضرة، بينما أرى احتفاء كبيراً من الأستاذ بالفنان محمد المنصور، لكن مع الوقت بدأت المشكلة تنحسر وتتكافأ الفرص بيننا جميعاً وكانت الاستفادة كبيرة من أساتذة عمالقة مثل الأستاذ سعد أردش وأحمد عبدالحليم وسناء شافع والمنصف السويسي الذين علمونا أن المسرح ليس ترفاً، وقد أعطاني الأخير منهم الثقة في ممارسة الإخراج في مرحلة الدراسة حين كلفني بتولي إخراج أحد المشاهد في مسرحية عندما تعرض لوعكة صحية واختارني من بين الطلبة لتولي هذه المهمة.

ولا أنسى زميلي الراحل صالح الفضل الذي بقيت أصداء كلماته لي حين قال «تذكر يا عبدالله أنك مهما تلمع أو تصل للنجومية لا تنسى أنك ابن الحالة وابن البائع المتجول بالكرسي في الشوارع الذي ربّى أسرة عظيمة ولا تتنكر لمهنته الشريفة»، فقد كان والدي عصامياً حتى النخاع وعلمني أمرين مهمين في الحياة، أن البيت الذي اشتراه بكد وجهد سنين هو ملفى العائلة الذي سيبقى بعد وفاته وأوصانا بعدم بيعه وإلى اليوم يملك كل من إخوتي مفتاحاً لهذا البيت، وقد اختارته الشيخة مي بنت إبراهيم آل خليفة ليكون ضمن مسار اللؤلؤ حفاظاً على هوية المنطقة التي تغول عليها العمالة الأجنبية. أما الأمر الثاني الذي يفخر به والدي بأنه مات دون أن يكون عليه دينار واحد وقال: «يخسأ من يطالبني بدينار واحد» ولذلك تعلمنا منه البعد عن الاستدانة والاقتراض وسداد المطالبات بأسرع وقت ممكن.

ما هي ذكرياتك في الغربة بدولة الكويت؟

- تتميز الكويت بجوها القاري فالصيف حار جداً وبرودة الشتاء أكثر قسوة، وفي يوم كنت أنام في السكن بينما تهطل الأمطار في الخارج، وتذكرت والدي حين كان ينزح مياه الأمطار عن سقف البيت وأساعده في ذلك، وتساءلت وقتها والدموع تنسل من مقلتي.. من يساعد والدي اليوم وأنا بعيد عن البحرين؟

من أكثر الشخصيات التي علقت في أذهان الناس هما «بو تعب» و«بهرام»، فهل تتذكر بعض الذكريات الخاصة بتلك الشخصيات؟

- شخصية «بهرام» لم تكن في البداية مطروحة أمامي وكنت أجسد شخصية أخرى، لكن اعتذر الفنان خليفة شاهين في اللحظة الأخيرة، وقد احتاج الدور لأن نركب الخيل ولم أكن من هؤلاء المتمرسين، فقرر المخرج بسام الذوادي تدريبنا لمدة شهر في نادي الفروسية وكنا نتدرب يومياً أنا وأنور أحمد وزينب العسكري ومصطفى رشيد والراحلون علي غرير وإبراهيم بحر ويوسف بوهلول وغيرهم.

وتعرضت لحادثتين أثناء التدريب وسقطت من فوق الخيل، وكانت أخطرهما الأخيرة عندما كنت أتدرب على حصان يدعى «أليكس» والذي شعر وقتها أنه في سباق فانطلق بسرعة كبيرة في منطقة بين نخيل، وبينما تملكني الرعب كنت أسمع المدرب خلفي يرشدني لطريقة إيقاف الحصان، ولولا ستر الله ووصولنا لمنطقة بها أطفال، لكانت إصابتي مميتة بسبب السرعة وخطورة الاصطدام بالنخيل، لكن الحصان اضطر للتوقف حفاظاً على نفسه والأطفال الذين شاهدهم أمامه.

أما مسلسل «بو تعب» فهو اسم على مسمى، فقد بدأنا التصوير قبل شهر رمضان بأسبوع واحد، وكان تسجيل الموسيقى في القاهرة، لنعود ونقوم بإدخال الأصوات والطبل الخليجي، وكنا ننام ساعة واحدة من بعد الإفطار وحتى العشاء لنبدأ تسجيل الأصوات في الأستوديو حتى الصباح، ونخرج لنرى نور الشمس وتبدأ عملية تصوير المشاهد ونحن صيام حيث كنا نقوم بدفع «الجاري» ورفع الأحمال وتمثيل كافة الأعمال المتعبة، ولذلك كانت بداية كلمات الأغنية معبّرة تماماً حيث كانت تبدأ بـ«تعب تعب تعب»، لكن أجمل كلمة سمعتها عن المسلسل من إحدى المعلمات التي قالت لي يوماً «جزاكم الله خيراً.. فبدلاً من شرح المهن القديمة للتلاميذ، كنا نستعين بالمسلسل لتقديمها بصورة أوضح، وكنا نقوم بتشغيل مقطع كل مهنة».

ومن الأعمال التي ظلت عالقة في أذهان الناس هو برنامج «فكر واربح» من إخراج الأستاذ محيي الدين جلال، وذلك لاستمراره أكثر من دورة ونيله شعبية عالية بسبب اللقاءات والمواقف الطريفة مع شخصيات رائعة في شوارع البحرين، ولايزال تداول بعض المقاطع الطريفة حتى اليوم منه في وسائل التواصل الاجتماعي، وأذكر وصية مدير التلفزيون الأستاذ خليل إبراهيم بأن يظل البرنامج متوازناً في زياراته لكافة مناطق المملكة ومنح الجائزة لمن يستحقها بغض النظر عن حالته سواء كان فقيراً أو غنياً، وكان ذلك أبرز عوامل نجاح البرنامج.

كلمنا عن المسرح في حياة عبدالله ملك؟

- منذ بداياتي وأنا أعمل في المسرح، فقد استمر عملي مع مسرح الجزيرة حتى العام 1985، وبعدها انتقلت إلى مسرح «أوال»، وقدمنا العديد من المسرحيات أنا وزملائي البحرينيون في معهد التمثيل أثناء الدراسة وبعد التخرج وخلال ثمانينات القرن الماضي، وشاركني فيها الزملاء خليفة العريفي وإبراهيم بحر وقحطان القحطاني ومريم زيمان وأمينة القفاص وسناء يونس وجمال الصقر وأنور أحمد وأحمد الزياني وسلوى مهدي وماجدة وهدى سلطان، وآخرون لا أستطيع ذكرهم جميعاً، ولكن كنا نحفر في الصخر ونخاطب المسؤولين للحصول على دعم، وأذكر أول عمل حصلنا فيه على دعم 50 ديناراً من نادي الجزيرة ومثله من مسرح «أوال». وأعتز بمسرحية أخرجتها في العام 1985، تحت عنوان «المؤلف» وهي مأخوذة عن نص «البوفيه» للكاتب المصري علي سالم، وحازت على جائزة أفضل عرض في مهرجان شبابي في الكويت، وقدمت ضمن عروض الهواة في تونس وفي افتتاح مهرجان الشارقة المسرحي.

كم يبلغ إجمالي أعمالك المسرحية؟

- لا أستطيع تحديد رقم محدد حيث تتنوع المشاركات ما بين تمثيل وإخراج وتأليف، لكنها تتراوح ما بين 60-70 عملاً مسرحياً تنوعت بين نادي الجزيرة ومسرح أوال والمؤسسات الخاصة.

- ما هي مكونات عائلة عبدالله ملك؟

زوجتي كانت زميلة معي في معهد التمثيل، ولكنها درست في قسم الديكور وعملت معي بعد التخرج في تصميم الديكور والأزياء لمجموعة من الأعمال المسرحية، لكنها انشغلت عن ذلك بأمور تربية الأبناء، بعد أن أنجبت لي أجمل هدية «ولدين وبنتين» فاضل وعمر وعائشة وسارة، ورزقنا من أحدهم بالحفيدة «روان» التي جددت حياتنا وأضافت لنا طاقة إيجابية جديدة بعد الروتين والرتابة.

ما هو الحلم الذي ترنو لتحقيقه بعد هذا التاريخ الحافل؟

- هذا السؤال سمعته من أحد أبنائي، وقلت له إنني في هذا العمر لا أحلم بأكاديمية للفنون أو مسرح باسمي أو تمثيل فيلم هوليودي، ولكن كل حلمي هو سعادتكم وراحتكم، وإن كنت أشارك في أي عمل اليوم فهو فقط لكي أستمتع، ولا أنتظر الشهرة ولا أبحث عن «فولورز»، ويكفيني دور مقنع بأجر مرضٍ.

ماذا استفدت من هذه المهنة؟

- لقد عملت في وزارة التربية وتدرجت من مدرس لموظف ثم أخصائي ورئيس مجموعة وأخيراً رئيس قسم ومتعاون في وزارة الإعلام، ولم أطمح لأن أكون مسؤولاً كبيراً، بل أفضل العيش كطير حر يحلق ويحط كيفما يشاء، وأهم شيء استفدته من هذه المهنة هو حب الناس وابتسامتهم عند لقائي. أيمن شكل - «تصوير: نايف صالح»

طائر حر حلق كيفما شاء، ورآه الجميع دون استثناء، إنه الفنان عبدالله ملك «بو تعب» الذي أكد في حواره مع «الوطن» حول مسيرة حياته أن أهم ما استفاده من مهنة التمثيل هو حب الناس وابتساماتهم عند لقائه.

وسرد ملك طفولته التي خالطها التمثيل منذ البداية سواء في المدرسة أو نادي الحالة والكشافة ثم الدراسة الأكاديمية بمعهد التمثيل في الكويت والعودة للعمل في المسرح وصولاً للنجومية على الشاشة الصغيرة، لكنه وضع نصيحة صديق راحل نصب عينيه، والذي قال له «عندما تصبح مشهوراً، لا تنس أنك ابن الحالة وابن البائع المتجول بالكرسي في الشوارع الذي ربّى أسرة عظيمة ولا تتنكر لمهنته الشريفة».