محرر الشؤون المحلية

مع تميز مجتمع الزبارة في ظل الدولة الخليفية، وتبوئه المكانة العالية اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، بدأت الأطماع تتوالى عليه من مختلف القوى المتواجدة في المنطقة آنذاك، وكانت أولى هذه المحاولات تستهدف بث الفرقة والشقاق في مجتمع الزبارة المستقر والآمن، إلا أن استمرار ولاء الرعايا للدولة الخليفية أفشل ذلك.

وفي منتصف القرن التاسع عشر، زادت الصراعات بين القوى الدولية في الخليج العربي، حيث سعت كل قوة إلى زعزعة الأخرى ومحاولة السيطرة على مناطق نفوذها، ورغم ذلك ظلت البحرين دولة مستقلة تبرم الاتفاقيات مع تلك القوى، وتنسق معها لحماية ممرات الملاحة والسفن التجارية من أعمال القرصنة والسلب والنهب، ليس في جزر البحرين أو الزبارة فحسب وإنما حتى في الساحل الشرقي لشبه جزيرة قطر حيث كانت البدع مقراً لممثل حاكم البحرين في شبه جزيرة قطر.

واستمر الوضع كذلك، حتى تم احتلال الدوحة بالقوة في 1872م من قبل العثمانيين المتواجدين في المنطقة آن ذاك، وتم احتلال قلعة البدع، وسميت فيما بعد بقلعة العسكر، وعينوا بعض المتعاونين معهم عليها، ثم سعوا بكافة الطرق لقطع التواصل بين شبه جزيرة قطر وجزر البحرين.

وقد انتشرت الفوضى في الساحل الشرقي لشبه جزيرة قطر، وقد كانت قبل ذلك في أمن واستقرار ورخاء، حتى أن المقيم السياسي البريطاني أصدر إنذاراً إلى رعايا الهند البريطانية في شبه جزيرة قطر، يحملهم فيها نتيجة المغامرة ببقائهم فيها.

وبعد احتلال البدع، ومع استمرار التضييق على القبائل العربية الموالية للحكم الخليفي، اضطر الأهالي إلى الهجرة من الساحل الشرقي لشبه جزيرة قطر إلى الزبارة، بعد فقدان العقد الاجتماعي بين القبائل التي اعتادت أن تنعم بالاستقرار في ظل السيادة الخليفية.

وبدأت التقارير البريطانية ترصد انتقال القبائل من مختلف أنحاء شبه جزيرة قطر للزبارة، كالتقرير الصادر بتاريخ 16 أغسطس 1873م، والذي أشار للقبائل التي تعيش في الزبارة.

ويوضح الباحث عبدالعزيز عبد الغني إبراهيم في كتابه «قطر الحديثة»، كيف تكاتف الأهالي مع الدولة الخليفية في بدايات الاحتلال لشبه جزيرة قطر، حيث أكد بأن عدداً من القبائل انتقلت إلى الزبارة وقدم لهم الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، كافة المساعدات اللازمة لترميم قلعة الزبارة.

وأورد عبدالغني جانب من تقرير للوكيل السياسي البريطاني في البحرين حيث قال: «إن العديد من قبائل قطر أخذوا يتوافدون على المكان الذي غدا موضع جذب سكاني، وبشر بأن المكان سيزدهر».

وأصبحت الزبارة رمزاً لشرعية الدولة الخليفية ومقراً لمقاومة الاحتلال لشبه جزيرة قطر، فتعاضدت الجهود وتوافدت القبائل للزبارة لمواجهة هذا الاحتلال.

وذكرت الوثائق البريطانية الصادرة من قبل المعتمد البريطاني في البحرين، بأن صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة قد أرسل رجاله لترميم قلعة صبحة، وكان ذلك في 4 أغسطس 1873م.

وهذه الترميمات للمنشآت العسكرية كانت ضرورية للدفاع عن حدود الوطن ومواجهة الاحتلال ونفوذه في شبه جزيرة قطر، وعين صاحب العظمة ممثلاً من قبله في شبه جزيرة قطر، وهو الشيخ ناصر الجبر النعيمي، وكانت الزبارة مقراً له.

وقد أراد المحتلون التوسع إلى باقي مناطق شبه جزيرة قطر وصولاً إلى جزر البحرين، فقام صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة بتعزيز التحصينات العسكرية في الزبارة من جانب، ومن جانب آخر قام باستخدام علاقاته الدبلوماسية مع بريطانيا من أجل حماية رعاياه وحدوده.

وكان رد قوى الاحتلال على ذلك، تحريك بعض المتمردين والمرتزقة لمهاجمة البحرين. وتم دعمهم بالسفن من قضاء البدع المحتل، بحسب تقرير للمقيم السياسي البريطاني روس المؤرخ في 12 سبتمبر 1874م.

ويقول الدكتور محمد عرابي نخله في كتابه تاريخ الأحساء السياسي «بينما كانت تلك القوارب تشق طريقها إلى البحرين فوجئت بظهور القارب البريطاني المسلح «مي فرير» الذي أربك خططها، فتراجعت ولكنها اتجهت إلى الزبارة، حيث قامت بمهاجمة قبيلة النعيم الموالية لشيخ البحرين، فأسرعت السلطات البريطانية بإرسال السفينة المسلحة (هج روز) التي أطلقت قذيفتين على المقاتلين المتواجدين على الساحل المقابل مما اضطرهم إلى الانسحاب». وقد كان الانتصار في هذه المناوشات التي وقعت عام 1874م لها أهمية كبرى في كبح جموح الاحتلال ونفوذه.