رئيفة عبدالعزيز




مفهوم السّعي كبير جداً ويختلف بحسب اختلاف البشر وتعدد مفاهيم وثّقافات الدّول والمجتمعات، ولكن يبقى السّعي هو من أساسيات الحياة وركيزة استمرار البشرية مهما كان بسيطاً.


قال تعالى (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى) فقد بيّن الله سبحانه أهميّة السّعي من أجل رؤية النتيجة، وهذا ما يجعلنا ندرك أنّ الرزق متوفر من حولنا ولكنهُ لن يظهر إلّّا كنتيجة لسعينا، وأغلب الناس لديهم مفهوم السعي على أنه عمل خارجي، إلّا أنّ هناك سعياً داخلياً أيضاً والذي لا يعمل عليه إلاّ القليل من الناس، والسعي الداخلي هو ما يجعل الأرزاق الفخمة تتجلى في حياتنا كنتيجة لذلك، ولكنها ليست للجميع بل هي مخصّصة للبعض فقط، لقوله تعالى (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ). فهذه الخاصيّة التي يختصّها الله برحمته للبعض تحتاج لسعي غير عاديّ، تحتاج لنضج ووعي مختلف عن الآخرين!!

ذلك السّعي الداخليّ الذي ينتج عنهُ أيضاً أرزاق داخليّة كالسّعادة والبهجة والطمأنينة وراحة البال والتي لا تتعلّق بما يحدث في الخارج، فترى ذلك الإنسان هادئاً وساكناً حتى لو كان في وسط معمعة الحروب، وكأنّهُ خارج تلك التغطية.

ولكن رغم ذلك كُلّه فقد يحدث أحياناً أن يصل الإنسان لتلك المرحلة من التجليات ويقف عندها، ثمّ يتساءل بتعجّب، ما الذي جعل تجلياتي الجميلة تقف لهذا الحدّ؟ لماذا لا أشعر بتلك المشاعر التي طالما استكنتُ لها وأنا في عمق طواحين الحياة؟ فيبدأ يفقد شيئاً من هدوئه إلى أن يعي أنّ السّبب هو توقفه عن السعي الداخلي بعد أن طغت عليه المشاعر الجميلة وأوهمتهُ أنهُ قد وصل للقمة.

فيدرك بعدها أنّ هناك أرزاقاً أجمل وأفخم مما يعتقد، تنتظر سعيه المستمر والمتطور حتى تتجلّى في حياته، وتُشعرهُ بمشاعر تختلف عن سابقتها، فلذلك هو لا يتوقّف عن ذلك السّعي الذي يرتقي بروحه لمراحل متقدمة حتى يصل للحياة الطّيبة التي يطمح لها الجميع لقوله سبحانه (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِينّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).