مريم بوجيري


بدأت بالبحث في الألفاظ البحرينية منذ السبعينيات

أديت واجبي ولم أعمل جميلاً

تعلمت «الكمان» خلسةً وتم كشفي

لكل شخص هوية موسيقية خاصة به

الفجوة الثقافية بين جيلي وأجدادي دفعني لتوثيق المفردة البحرينية

أسست فرقة البحرين للموسيقى وقسم البعثات بـ«الإعلام»

«كل شايب يموت كأنك صَكّيت متحف»

الميزانية أوقفت برنامج «منطوق أهل البحرين»

تربى كثير من جيل الثمانينيات والتسعينيات على صوته في إذاعة البحرين، نقل إلينا المفردة البحرينية الشعبية القديمة بمعناها وتاريخها ومفرداتها حتى أصبح موثقاً مهماً للألفاظ البحرينية، هو محمد جمال الفنان الذي عشق الموسيقى منذ نعومة أظفاره خلال طفولته التي عاشها بفريج العمامرة في المحرق. حكى جمال لـ«الوطن» قصة شغفه باللفظ البحريني الأصيل وكيف تغيرت هوية المجتمع وكيف قاده عشقه للموسيقى إلى القاهرة، مشيراً إلى أن الإنسان له هوية موسيقية وكل دولة تتميز بنغمها. وكان لمسيرة هذا اللقاء معه:

من هو محمد جمال؟

ـ محمد جمال مواطن عادي من مواليد فريج العمامرة بالمحرق عام 1946، نشأت كما ينشأ أي طفل عادي في تلك الفترة، درست في المطوع وحفظت القرآن الكريم وبعدها دخلت إلى المدرسة واستمر ذهابي إلى المطوع في فترة العصر لإكمال «الختمة»، لعبت في الفريج وأخذت ثقافتي الأولى من تجمعات رجالات الفريج، ورأيت فرقة موسيقية للشرطة عام 1954 ولأول مرة رأيت الآلات الموسيقية وبدأت أتساءل عنها حتى وصلت إلى مرحلة الاستماع لغناء محمد بن فارس عند افتتاح إذاعة البحرين وحينها بدأ لدي أول عشق لآلة الكمان من الراديو.

ماذا تتذكر من مواقف أيام الطفولة؟

ـ من شدة حبي للموسيقى أذكر أنني أخذت علبة الزيت الحديدية نسميها باللهجة المحلية «قَلَن» ولففت عليها خيوطاً من النايلون لصيد السمك وأصبحت تصدر نغماً موسيقياً جميلاً وكانت هذه أول آلة موسيقية لي في الصغر وكنت أخفيها دائماً تحت سريري وأستغل نوم الأهل حتى أعزف، وأذكر في إحدى المرات أنني استمررت بالعزف حتى أذان الفجر دون أن أشعر بنفسي ودون إدراك مني، وخرج «مؤذن الفريج» حينها للأذان ويسمع العزف، وذهب في أحد الأيام وأخبر جدي أن هناك صوت عزف يخرج من غرفتي عند الفجر، وعندما عدت إلى البيت في أحد الأيام وجدت عودي المبتكر قد اختفى وعرفت بالموضوع فيما بعد، كنت أعتبر أن طريقة أذان مؤذن فريجنا تختلف، وعرفت فيما بعد أنه تأثر بالنغم الذي سمعه على سطح السفينة من النهام، ولذلك أقول إن الإنسان له هوية موسيقية وكل دولة تتميز بنغمها وتعلمت ذلك من مؤذن الفريج.

كيف بدأت رحلتك في تعلم الموسيقى؟

ـ في بداية الستينيات جيء بمدرس موسيقى في مدرستي الثانوية التي كانت حينها مدرسة وحيدة مركزية تشمل جميع طلاب المحرق ونذهب إليها بالباص، وتم تعليمي الموسيقى بشكل نظري حينها خاب أملي، ومن ثم تعلمت بطريق الصدفة عبر خالي السفير السابق المرحوم مصطفى كمال الذي كان يحب الموسيقى وتصدح أم كلثوم من غرفته باستمرار، وقام بشراء آلة الكمان، كان يعمل حينها في «دائرة العلاقات العامة» قبل أن تتحول إلى وزارة الإعلام، وكنت أستغل فترة غيابه عن المنزل لأدخل خلسه إلى غرفته وأتعلم بمفردي على الكمان، واستمررت حتى تم كشفي وعندما أسمعته ما تعلمته أهداني الآلة، وأذكر أنه كان هناك معرض زراعي يقام بشكل سنوي في حديقة الأندلس، ومن ضمن الفعاليات جاءت فرقة شريفة فاضل ومحمد رشدي وكونت صداقة مع العازفين وأحدهم فضل ناصر عبدالمنصف، ودعاني للذهاب إلى التعلم في مصر.

كيف احترفت العزف على آلة الكمان؟

ـ تكونت الفكرة داخل رأسي بعد دعوتي للذهاب إلى مصر لتعلم الموسيقى، وكنت حينها موظفاً وراتبي 45 ديناراً أعطي والدي 20 ديناراً والأخرى أضعها في البنك وأصرف على نفسي 5 دنانير طيلة الشهر، حتى جمعت مبلغاً مكنني من الذهاب إلى القاهرة ودراسة الموسيقى التي سيطرت على تفكيري وجعلتني أترك كل شيء وأذهب للدراسة؛ لأني آمنت منذ البداية أنها لغة يجب على الشخص تعلمها.

وماذا بعد احتراف الموسيقى؟

ـ بعد ذلك أصبحت مدرساً للموسيقى لمدة عام واحد خلال حصة الفراغ أو بعد الحصة السادسة في 6 مدارس على عدد أيام الأسبوع، وبالتالي كنت أتنقل خلال أيام الأسبوع من مدرسة إلى أخرى، وتخرج على يدي أيام حقبة التدريس طلاب قطعوا أشواطاً كبيرة في الساحة الفنية حتى الآن لكنني لم أستطع الاستمرار، وبعدها أسست فرقة البحرين للموسيقى وبدأت أتعاطى مع الموسيقى برقي كفن هادف، من الأسماء التي عملت معها أحمد الجميري، ومحمد علي عبدالله، ومحمد حسن، ويوسف هادي ويوسف مشائي وكنا نستلم 50 ديناراً تقسم علينا، حيث كانت الفرقة تعنى بالعزف لهدف نبيل منها فعاليات الهلال الأحمر والمرضى والأندية الرياضية بعدها انتقلنا إلى الإذاعة فأصبحت فرقة الإذاعة، وبعد الانتقال أسست قسم البعثات بالوزارة وأرسلت 5 من أعضاء الفرقة للدراسة في الكويت بحكم علاقتي مع زملائي الطلاب في الكويت ومصر، بعدها أصبح هناك قسم خاص للبعثات في وزارة الإعلام وأنا أعتقد أنني أديت واجبي ولم أعمل جميلاً.

كيف بدأت بالبحث في الألفاظ والتعابير البحرينية؟

ـ عندما عملت على توثيق وتسجيل أغاني آبائنا النهامين والغواصة منها أغاني الفجري على سبيل المثال، اكتشفت أنهم يتكلمون بمفردات لا أعرفها أو أفهمها، وعندما كنت أتحدث إليهم كان من الصعب جداً أن يفهموني لذلك كان هناك فجوه بيني وبينهم وعرفت أني من جيل يختلف عنهم، وكانت هذه هي الشرارة الأولى للبحث في اللفظ الشعبي وقمت أتتبع الكلمة منذ بداية السبعينيات وأسجل كل شيء أسمعه في ورقة وقلم لم يخل جيبي منها.

ما الذي دفعك للبحث وتوثيق المفردة البحرينية؟

ـ لدينا مقولة دارجة تقول: «كل شايب يموت كأنك صَكّيت متحف»، تفكرت فيها وتيقنت أنها صحيحة، جيلي يختلف عمن سبقني ومثل ما هناك فاصل بيني وبين أجدادي هناك فاصل بيني وبين أحفادي اليوم، إلى جانب إدراكي عدم معرفة الجيل الحالي بكلمات الجيل الذي يسبقه شجعني للعمل على توثيق اللهجة البحرينية من الألف إلى الياء وخصوصاً أن اللهجة كائن حي متجدد.

هل لك أن تحدثنا عن الكتاب الذي وثقت فيه التعابير والألفاظ البحرينية؟

ـ الكتاب خرج من قصاصات ورق صغيرة عليها مفردات كنت أرميها في البداية، بعدها اقترح علي كثير من الناس توثيقها وطباعتها في كتاب وعند بحثي وجدت علاقة قوية جداً بين الفصحى واللهجة المحلية الدارجة، والمفردة متغيرة بتغير الزمان والمكان والأحداث، وأعتقد أن تغير اللهجة والمفردة من سنة الحياة، وخصوصاً أن المفردات أو الأمثال ولدت في فترة زمنية محددة بأحداث معينه، لذلك وجد الكتاب لتوثيق لغة الأجداد ولم اكتفِ بشرح المفردة وإنما تفصيل المفردة بالرجوع إلى التاريخ وهو ليس معجماً لكني أعتبره قاموساً تراثياً بحرينياً.

وماذا عن البرامج المتعلقة بالمفردة البحرينية التي قدمتها في الإذاعة والتلفزيون؟

ـ البرنامج الإذاعي معجم الألفاظ والتعابير البحرينية والبرنامج التلفزيوني منطوق أهل البحرين أعتبرها جزءاً من هوية وثقافة المجتمع وسجلتها بهدف الحفاظ على الهوية البحرينية لألفاظ تعود بنا للتاريخ قبل 600 عام، لكن برنامج منطوق أهل البحرين تم إيقافه لأسباب تتعلق بالميزانية، نحن بحاجة لتوعية الجيل الجديد بلهجة الآباء والأجداد وخصوصاً أن الغالبية العظمى من المجتمع من الشباب ولم يقدم لهم ما يمثل هويتهم البحرينية الأصيلة

وهل اندثرت العادات الاجتماعية السابقة؟

ـ أجزم أن العادات الاجتماعية تغيرت؛ ففي السابق كان الفريج منظومة اجتماعية تكافلية وكل بيت هو بيت للجار في الفرح والحزن، في موسم الحج والعرس والختمة وخلال شهر رمضان الكريم، أحزنني موقف نقل لي عن صديق سكن في منطقة جديدة في البحرين وقام بإحدى العادات لترحيب بالجار وأرسل له صحن «هريس» خلال الشهر الفضيل وفتحت له الخادمة واستلمت «النقصة» لتعود بعدها بعد الفطور وأعادت صحن الهريس كما هو ونقلت عن صاحب المنزل قوله: «شكراً احنا ما ناكل جذي»، الجار تربى ودرس في بيئة مختلفة ولا علاقة له بالمجتمع، وأفكاره قد تكون مختلفة.

لنختم بمثل بحريني ومعناه

ـ أذكر لكم مثل «فَتَّح وشاف الديك»، وهو مثل عن شخص أعمى عاد له البصر في 5 دقائق ورأى أمامه ديكاً ورجع أعمى مره أخرى، وأصبح عندما يذكر أي موقف أمامه أو تشبيهاً معيناً يقول «مثل الديك؟»، فأصبح يقارن كل شيء يسمعه بالديك الذي رآه وهي للدلالة على الشخص حديث الخير أو المال.