أميرة صليبيخ




أنظر بتوجس تقرير استخدامي للموبايل بشكل أسبوعي عبر خاصية تتيحها هواتف الآيفون، لتبقيك على اطلاع بمعدلات استخدامك ومدى ارتفاعها أو انخفاضها مع النسب المئوية مقارنة بالأسبوع الماضي، وتكاد النسب تكون مخيفة قليلاً بالنسبة لي لو قمت بقياسها على المدى البعيد. فمعدل استخدام الهاتف 4 ساعات في اليوم ربما لم يعد معدلاً مرتفعاً للبعض في ظل الاستخدام المحموم لكافة التطبيقات والبرامج التي تكاد تطبق على تفكير صاحب الموبايل ولكن لو قسناها خلال 365 يوماً فهي تساوي 1460ساعة، وإذا قسّمناها على 24 ساعة في اليوم فإنها تساوي 60 يوماً! أي شهرين من عمرك مهدرة في التواصل غير المجدي. بعد 6 سنوات ستكون قد ضّيعت سنة كاملة في (التواصل الاجتماعي) غير الاجتماعي مطلقاً والذي يتوازى معه في الوقت نفسه «الانفصال عن الذات».

هذا الإدمان والتعلق بالموبايل يشبه وجود خيوط أثيرية مخفية تحرك رأسك وأصابعك نحوه، فلا تستطيع الفكاك منه بسهولة. لقد تحول بمرور الوقت إلى كائن طفيلي يعيش عليك ويعيش معك، يعرف كل خصوصياتك وأنماط تفكيرك واهتماماتك ومصادر أموالك وطريقة إنفاقك لها، حتى مذاق قهوتك المفضل يعرفه أكثر من زوجتك أو أقرب الناس إليك، ولا يكتفي بهذا بل يوجّهك بشكل مستمر نحو خيارات معينة لتختارها أنت دون وعي منك. ومع ذلك، نسّلم له عقولنا بكل أريحية ودون تردد حتى يبقينا مشغولين عن أنفسنا قدر المستطاع لأننا اعتدنا الهروب منها، فأصبحنا نحن أيضاً مثله.. مجرد آلة لكن أقل فاعلية منه!

الهواتف المنزلية هي وسيلة التواصل الوحيدة، كنت أحفظ أرقام جميع صديقاتي المقربات عن ظهر قلب، كانت ذاكرتي نشطة وتركيزي عالياً، لا أحتاج لذاكرة خارجية تحفظ لي المعلومات المهمة وتسجلها. أما الآن فلو مُسِحت قائمة اتصالاتي لأي سبب فذاكرتي الحقيقية لا تحفظ أي رقم اتصال بل لم أعد أستطيع حفظ أي منها أكثر من دقائق!

ذاكرتنا معطلة.. قدرتنا على التفكير معطلة.. إرادتنا معطلة أيضاً وكأننا مغيبون، لا نعرف مكاننا بالتحديد، مبحرون في إحدى قنوات التواصل الاجتماعي نبث شكوانا عبرها ربما، أو نلتقم شكوى الآخرين ومشاكلهم أو آخر استعراضاتهم وتفاهاتهم وحياة لا تعكس الحياة.

عالق أنت في حياة افتراضية كاذبة بينما الحياة الواقعية هي كل ما يحدث هناك بعيداً عنك وعن هاتفك!