ربما أخطأ نزار قباني عندما قال في إحدى قصائده «إن الإنسان بلا حزن ذكرى إنسان!»، ربما دون وعي تبرمجت الشعوب العربية على حب الحزن وكأنه فضيلة! ربما مجّد الحزن أكثر من اللازم حتى صار اليوم «موضة» وكأنه فعل إنجاز يستحق الإشادة والإشهار! وكأن الحزن سر الحياة.. كأنه توأم الروح.. كأنه الوجبة اليومية المفروض علينا تناولها كل صباح ومساء.. كأنه أمر حتمي وواجب الشعور به!

في الواقع، قلوبنا لا تخلو من الحزن الذي يصبغ جدرانه ولا تكاد حياة أي شخص تخلو من قائمة طويلة من الذكرى المؤلمة التي لا يزيح ظلامها أي نور، ولا أحد منا لم يقرصه الحزن ويكون رفيقاً له في فترة ما، لكن لماذا نقدّس الحزن لهذه الدرجة ونجعله أهم شعور وعاطفة بشرية؟! لِمَ الإمعان في جلد الذات وتفخيم هذا المفهوم وتأصيله في أعماقنا متناسين نعم الله التي تزاحم حياتنا؟!

البعض يظن أنه حتى يكون «كشخة» عليه أن يكون حزيناً، فهذه المسحة من الحزن على ملامحه تجعله يبدو أجمل وربما أكثر غموضاً، حتى يستدر تعاطف متابعيه خصوصاً بعض مشاهير التواصل الاجتماعي! هؤلاء أصحاب العقلية السادية البحتة يؤصّلون في المجتمع فكرة الاستمتاع باستضافة الحزن واحتضانه وإكرامه في قلوبنا وحياتنا.

لماذا؟ ربما لأنه سمة الكُتّاب والشعراء العظماء والمبدعين الذين لولا سابقة حزن أصابتهم ما كتبوا وأبدعوا وما حققوا أعظم إنجازاتهم.

أما نحن البشر العاديون جداً، المفرطون في بساطتنا، المتشبثون في الحياة، الغارقون في همومنا اليومية، نجد أنه من السهل علينا التشبه بهم واتخاذ الحزن خليلاً ونرحب به ضيفاً دائم الإقامة فينا لأنه يخبرنا أننا أحياء جداً.

فتمر الأيام التي تتحوّل إلى أعوام، فترانا متوحدين مع الحزن، لأنه يليق بنا جداً ويمنحنا حكايات كثيرة لسردها على الآخرين حتى ننال منهم بعض الشفقة التي نُرضي بها شعورنا وأحقيتنا بالاهتمام المشحوذ. هكذا ببساطة تحولنا إلى حزن يمشي على قدمين، في حين أن الحياة كريمة جداً معنا ومليئة بالنعم التي تكفي لأن تُرعب جيش الحزن المقيم فينا وتشرّد به!

لذا ربما حان الوقت لنمنح الحياة لحياتنا، لنطرد الحزن ونغير المفاهيم قليلاً حتى نحيا بشكل أفضل. وعلينا في كل لحظة أن نمجّد النعم، نقدسها، ونجاهر بها أمام الآخرين حتى تتكاثر. وهذه أفضل حيلة علينا ممارستها حتى نطرد هذا الضيف الثقيل وحتى ننعم بالسلام ونحيا من جديد كما يجب.