إرم نيوز


أكد الخبراء أن العزلة الاجتماعية أكثر تعقيدًا من مجرد الشعور بالوحدة الذي غالبًا ما يتم خلطه بها، إذ يمكن للعزلة الاجتماعية أن تؤثر على الصحة العقلية، وتصبح في آنٍ سببًا وأعراضًا لاضطرابات نفسية، وتزيد من خطر الإصابة بالخرف لدى كبار السن.

ووفقا لتقرير موقع ”trustmyscience“ العلمي، أظهرت الكثير من الأبحاث في السابق أن الشعور بالانتماء إلى مجموعة يمكن أن يحسن الرفاه النفسي العام، ويزيد من الاستمتاع بالحياة. ومع ذلك فإن الآليات العصبية الحيوية التي تحكم ظاهرة العزلة الاجتماعية، أو العكس (الانتماء إلى مجموعة) لا يزال يساء فهمها إلى حد كبير.

تسلط دراسة جديدة الضوء على التغييرات في بنية الدماغ لدى الأشخاص الذين يعانون من العزلة الاجتماعية، هذه التغييرات يتم الكشف عنها بشكل أساسي على مستوى المناطق المسؤولة عن الإدراك، وقد تؤدي إلى زيادة خطر الإصابة بالخرف.

أدت إجراءات الاحتواء المتخذة لمكافحة جائحة كوفيد -19 إلى تفاقم ظاهرة العزلة الاجتماعية والشعور بالوحدة معًا. وهذا يعني أن هذين المفهومين مختلفان تمامًا، لأن أحدهما يتميز بغياب التفاعلات الاجتماعية، بينما يُترجم الآخر على أنه انفعال. على سبيل المثال يمكن أن نشعر بالوحدة حتى ونحن محاطون، عندما نفضل الرفقة أو انتباه وعناية شخص معيّن.

يؤكد خبراء النفس أن الأشخاص المصابين بالعزلة الاجتماعية يظل اتصالهم بالآخرين ضئيلا أو معدومًا، كما يمكن أيضًا أن تكون العزلة الاجتماعية مصحوبة بالوحدة في بعض الحالات، بالإضافة إلى ذلك ستكون جودة العلاقات أكثر أهمية من كميتها.

وبالتالي لا يمكن للانتماء إلى مجموعات واسعة جدًا أن يحل محل التفاعلات مع مجموعة صغيرة من الأصدقاء المقربين.

أكثر المتضررين من العزلة الاجتماعية هم الأشخاص كبار السن؛ لأنهم غالبًا ما يعيشون بمفردهم أو يفقدون أصدقاءهم تدريجيًا.

ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن هذه الظاهرة من المحتمل أن تؤثر على الجميع تقريبًا، على سبيل المثال في أعقاب صدمات عاطفية.

تؤثر العزلة الاجتماعية على الصحة العقلية؛ لأن الدماغ البشري يكون أكثر تناغمًا وأكثر تكيفًا واستعدادًا للعمل والتطور عندما يكون متفاعلا مع المجتمع. إن ما يسمى بالدماغ ”الاجتماعي“ يظل يتطور بلا انقطاع ليحصل على شبكات عصبية محددة لإدارة التفاعلات، مثل التعرف على الآخر كمحاور، ومعالجة المعلومات المتبادلة، وإدارتها الانفعالية واختيار الاستجابات المناسبة.

هذه المناطق العصبونية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتلك التي تحكم الإدراك (عملية اكتساب المعرفة)، بما في ذلك الشبكة العصبية الافتراضية (النشطة عندما لا نركز على العالم الخارجي)، والشبكة البارزة (التي تحدد موضوع الاهتمام)، والشبكة التحقشرية (التي تشارك في الذاكرة والانفعال والتحفيز)، والشبكة التنفيذية المركزية (التي تنظم الانفعالات).

قامت دراسة جديدة ترأستها جامعة كامبريدج، بالاشتراك مع مجموعة من الأخصائيين، بدراسة أعمق للآليات العصبية التي تربط العزلة الاجتماعية بالضعف الإدراكي. وجاءت النتائج المعروضة في مجلة المكتبة الوطنية للطب National Library of Medicine لتدعم الفرضيات السابقة، وتكشف عن تغيرات مهمة في مستوى المادة الرمادية عند الأشخاص المعزولين اجتماعيًا.

فهذه التغييرات حسب الدراسة من شأنها أن تزيد من خطر الإصابة بالخرف لدى كبار السن.

فقدان حجم المادة الرمادية

حللت الدراسة الجديدة بيانات من البنك الحيوي في المملكة المتحدة UK Biobank لـ 462 619 شخصًا تبلغ أعمارهم 57 عامًا في المتوسط. هؤلاء يعيشون بمفردهم، ولديهم تفاعلات اجتماعية أقل من مرة واحدة في الشهر، ويشاركون في أنشطة اجتماعية أقل من مرة واحدة في الأسبوع، وتم تصنيف هؤلاء الأشخاص على أنهم معزولون اجتماعيًا. كما تم تحليل صور الرنين المغناطيسي لـ 32 263 فردًا آخر، تبلغ أعمارهم 63 عامًا في المتوسط​​، كجزء من الدراسة.

كشفت النتائج أن الأشخاص الذين يعانون من العزلة الاجتماعية لديهم قدرات معرفية أقل (الذاكرة ومدة رد الفعل)، وكذلك حجم أقل من المادة الرمادية في العديد من المناطق الرئيسية في الدماغ. يقع هذا الفقدان في الحجم على وجه الخصوص في منطقة الصُّدع (التي تُشفر الذاكرة)، والفص الأمامي (الذي يشارك في الانتباه والتخطيط والمهام المعرفية المعقدة)، والحُصَين (الذي يشارك في التعلم والذاكرة).

بعد مرور 12 عامًا كان الأشخاص الذين يعانون من العزلة الاجتماعية (ولكن ليس الوحدة) أكثر عرضة للإصابة بالخرف بنسبة 26%، بالإضافة إلى ذلك ارتبط انخفاض حجم المادة الرمادية بانخفاض في تنشيط بعض الجينات التي تمنع أعراض مرض الزهايمر.

ومع ذلك يتعيّن على الباحثين أخذ العديد من العوامل في الاعتبار، وكذلك الحصول على عيّنات دراسة أوسع. يمكن ربط الآثار النفسية والجسدية الناتجة عن العزلة الاجتماعية، على سبيل المثال، بالتوتر الناتج عن هذه العزلة، بالإضافة إلى ذلك يمكن أن ينخفض حجم أجزاء الدماغ المصابة بسبب نقص الاستجابة على الأرجح، مثل العضلات التي تضمر بسبب عدم الحركة.