جرت مياه كثيرة منذ صدور قانون أحكام الأسرة عام 2017 وكانت قفزة لا خطوة في طريق شاق استغرق عقوداً طويلة للوصول لها من أجل تقنين الأحكام الشرعية وعدم تركها بلا ضوابط كما كانت يتحكم فيها بشكل كامل «القاضي الشرعي» مع احترامنا للجميع الأحياء منهم والأموات، إلا أن صدور القانون وحد تلك الأحكام، وجعل من السلطات التقديرية للقاضي سلطات محكومة بالضوابط ومقيدة بالقانون أصلاً ... وهذا ما نطمح له، أو هكذا هو المفروض الذي نرجوه وهو التأكد من التزام القضاة بضوابط السلطات التقديرية، حتى لا نعود لنقطة الصفر من جديد، فإن كانت السلطات التقديرية متروكة لدرجة أن فتوى ممكن أن تنسف القانون (فلا طبنا ولا غدا الشر).
ثم نتمنى أن يواكب التطور في المحاكم الشرعية ما يجري من تطور في المحاكم الأخرى فلا يقل عنها تميزاً، فيجتاز قضاة الشرع ذات الاختبارات ولهم مسارهم في قضاة المستقبل، وتلك طرق شاقة يجتازها قضاة المحاكم الأخرى، إنما إلى الآن في البحرين لا يشترط أن يكون القاضي الشرعي خريج كليات حقوق، حتى ينضبط لديه الأداء وفقاً لقانون إجراءات التقاضي، ويتحسن أداؤه في صياغة الأحكام المسببة وتكييف القضايا، تلك المهارات يفتقدها خريجو كليات الشريعة التي تزوده الدراية بالأحكام الفقهية فقط، فيكتفى بدورات مكثفة في المعهد القضائي للحصول على المنصب، وحتى حضور الجلسات والتدرج في عمل البحوث لا تغنيه عن الدراسة الحقوقية التي تعلمه المنطق القانوني إضافة إلى الأحكام الشرعية.
أمامنا درب من أجل تطوير هذا الفرع من السلطة القضائية، أمامنا الوصول لقضايا الأحوال الشخصية وتقنين قضايا الإرث والوصية على سبيل المثال وأمامنا مساواة اشتراطات تعيين القضاة بين قضاة الشرع وقضاة المحاكم الأخرى، فلا نتساهل في تعيينات قضاة الشرع، ونستثنيهم من الشهادات الحقوقية (وبالمناسبة حسناً فعل مجلس أمناء كلية الشيخ عبدالله بن خالد الإسلامية، حين تدارك خطأً جسيماً، وأوقف برنامج تخريج قضاة شرعيين في تلك الكلية، فذلك له مسار آخر فلا تكون ذات الكلية التي تخرج مؤذنين هي ذاتها التي تخرج قضاة مع كل الاحترام والتقدير للمؤذنين إنما نتكلم هنا عن صلاحيات خطيرة توضع في يد القضاة تحتاج لترخيص مشدد، ومن أجل ضمان استمرارية هذا القرار الذي اتخذه مجلس الأمناء لا يجوز أن يبقى المرسوم الخاص بالكلية الصادر عام 2018 ينص على صلاحية تخريج قضاة شرع، ولا يكون قرار وقف البرنامج مؤقتاً، عدا أمور أخرى تحتاج إلى تعديل هي الأخرى كإلحاق كلية للدراسات الإسلامية بمجلس الوزراء!!!
على العموم تطوير القضاء الشرعي مسألة تحتاج إلى تحريك للمياه الراكدة من تشريعات ومن إجراءات، ومن ضوابط تعيين القضاة مع كل الاحترام والتقدير للقائمين على هذه السلطة التي نجلها ونقدرها.