بقلم: خولة البوسميط


حين نُصالح أنفسنا قبل أن نُغيّرها مع كل عام جديد، نُسرع إلى كتابة قائمة طويلة من القرارات: نريد جسداً أقوى، وزناً أقل، نشاطاً أكثر. لكننا كثيراً ما ننسى سؤالاً أبسط وأصدق: كيف حالنا من الداخل؟

الصحة النفسية ليست بنداً مؤجلاً، ولا رفاهية نلتفت لها عند الفراغ، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه صحة الجسد واستمراريته.

حين نعيش تحت ضغط مستمر، أو قلق غير مُعبَّر عنه، أو إرهاق نفسي متراكم، يبدأ الجسد في إرسال إشاراته بصمت: تعب بلا سبب واضح، أرق، آلام متكررة، ضعف مناعة، وتقلّب في المزاج. الجسد هنا لا يخذلنا، بل يطلب منا أن نصغي.

العام الجديد ليس دعوة لأن نُرهق أنفسنا بالمثالية، بل فرصة لنبدأ بعلاقة أصدق مع ذواتنا. أن نُخفف من القسوة، أن نُراجع إيقاع حياتنا، وأن نفهم أن الراحة النفسية لا تعني التوقف عن الطموح، بل تعني السير بثبات دون استنزاف.

الصحة النفسية تتغذى على تفاصيل بسيطة لكنها عميقة الأثر: نوم منتظم، حركة يومية، تواصل إنساني صادق، قدرة على قول «لا» دون شعور بالذنب، ومساحة آمنة للتعبير عن المشاعر. وعندما تتحسن النفس، يستجيب الجسد تلقائياً، لأنهما وجهان لصحة واحدة لا تنفصل.

ومن هنا تؤكد جمعية أصدقاء الصحة أن نشر الوعي بالصحة النفسية هو استثمار حقيقي في صحة المجتمع ككل. فالفرد المتوازن نفسياً أكثر قدرة على الاعتناء بجسده، وأكثر وعياً بخياراته الصحية، وأكثر حضوراً في أسرته وعمله.

لنكن صادقين هذا العام: لسنا بحاجة إلى تغيير كل شيء، بل إلى فهم أنفسنا أكثر، والإنصات لما نحتاجه حقاً.

فحين نعتني بصحتنا النفسية، لا نُداوي الألم فقط، بل نمنح الجسد فرصة للحياة بقوة، ونمنح العام الجديد معنى أعمق من مجرد بداية... نجعله بداية متوازنة.

* عضو جمعية أصدقاء الصحة