من سنن الله عز وجل في الكون أن التغيير يبدأ من طاقات تتفجّر، وعزائم تتحرك، ونفوسٍ تؤمن أن الواجب لا يُؤجّل، وأن الغد لا يُبنى بالأمنيات والتمني «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ»، «الرعد: 11».
فكان الشباب المسلم في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قوة دافعة للإسلام، تميزوا بالإيمان الراسخ، والشجاعة، والتضحية، ونشر الدعوة، حيث قاموا بأدوار حيوية من القيادة المبكرة «مثل علي بن أبي طالب» والبعثات «مثل مصعب بن عمير» والمواجهات العسكرية «مثل الزبير بن العوام»، متحملين الأذى، ومجاهدين في سبيل الله، وناشرين القيم الإسلامية، مما جعلهم نموذجاً للقدوة والمستقبل، وفقاً لمبادئ إيمانية عالية وتوجيه نبوي سديد، كما يُظهر ذلك من خلال شخصيات مثل علي، الزبير، وعبدالله بن مسعود، في نشر الدين وقيادة المهام الصعبة.
ويوم خيبر قال صلى الله عليه وسلم: «لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله...»، ودفع الراية إلى علي، ففتح الله عليه. رواه أحمد ومسلم والترمذي.
ألم يذكر النبي عليه الصلاة والسلام «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ في ظِلِّهِ، يَومَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللَّهِ». صحيح البخاري.
والسؤال لماذا الشباب تحديداً؟
لأن في الشباب اجتماع القوة البدنية، والحماس العاطفي، والانفتاح على الجديد، مع القدرة على التضحية ولأن في الشباب قابلية التشكّل فالشاب إمّا أن يُشكلَّ وعيَه مشروعٌ إسلامي متكامل، أو تعبث به المشاريع الغربية والمعاصرة، والفارغة، كما أن للشباب قوة الاندفاع وهي سلاح ذو حدين؛ إن وُجّهت للحق كانت بركان بناء، وإن تُركت للهوى كانت عاصفة هدم الطموح الشاب، لكن الفرق بين الحالم والنهضوي هو أن الثاني يُترجم الحلم إلى خطوات عملية واقعية، لهذا، تراهن الأمم على الشباب، وتستثمر فيهم، وتخطط عبرهم لمستقبلها. لكن في أمتنا، لا نريد شباباً ناجحين فردياً فقط، بل شباباً نهضويين بشكل جماعي، يُعيدون للأمة مكانتها، ويجعلون للإسلام كلمة في عالم مليء بالصراعات والتناقضات.
إن الطريق طويل وليس معبّداً سهلاً، في نفس الوقت ليس صعباً فالشاب المسلم اليوم في قلب الأحداث وعدة مواجهات وجبهات:
أولها معركة فكرية، تغزو عقله مفاهيم مشوهة عن الدين، والحرية، والنجاح، والانتماء. وأخرى معركة أخلاقية تُستهدف فطرته بمشاهد وصور وشبكات تروّج لانهيار القيم؛ ومعركة معيشية بطالة، إحباط، فساد، حكومات بعضها لا تؤمن بالشباب، مجتمعات تثقل كاهله بالتناقضات؛ لكن رغم كل ذلك، فالشاب المؤمن الواعي لا يبرر تقاعسه، ولا يستسلم لظروفه، بل يتعامل مع التحديات كوسيلة لصقل نفسه، وزيادة إيمانه، ووضوح مشروعه. والسؤال الذي يفرض نفسه أي شبابٍ نريد؟ هل نريد شباباً معتزاً بدينه؟ فهم يعرفون أن الإسلام ليس عبادة فردية فقط، بل حضارة شاملة، تقود العالم نحو الحق والخير والعدل، أم شباباً واعياً بالواقع المعاش؟ فلا بد من أن يفهموا قضايا أمتهم، ويُدركوا مَنْ عدوهم، وما أدوات الصراع الفكري والسياسي. أو شباباً فاعلاً؟ فهم لا ينتظرون من يصنع لهم التغيير، بل يبدؤون بنفسهم أولاً، وفي أسرتهم ثانياً، ومجتمعهم ثالثاً، ومدرستهم رابعاً، وعملهم خامساً. أو يكونوا شباباً متوازنين؟ يعبدون الله كأنهم يرونه، ويتعلمون ويتقنون العمل، ويزرعون الخير حيث حلّوا، ويبتسمون رغم المحن والصعاب.
أيها الشباب المسلم الحق ابدأ بنفسك أولاً أصلحها، ثقفها، زكّها. فنهضة أمة وسموها تبدأ من فرد صالح متغيّر، واقرأ التاريخ بتمعّن فالتاريخ ليس قصصاً، بل هو خريطة طريق، ودروس مجانية، ولا تكن تابعاً إمّعة فكّر واسأل، ثم ناقش فلا تجعل الإعلام أو الاتجاهات التي تُمليها وسائل التواصل الرقمية، تقود عقلك وتوجّهه، واختر الرفقة الصالحة فالصحبة الطيبة لا تصنع النهضة والسمو فقط، بل تحميك من السقوط؛ وكن قدوة لغيرك في الأخلاق، في المظهر، في الجدّ، في النبل، فأنت صورة الإسلام وسفيره أين ما كنت.
إذا لا تغيير بدون إيمانٍ خالصٍ وتقوى صادقةٍ وإقامةٍ لما أنزل الله بتبيينه والامتثال له والدعوة إليه، هنا يحدث التغيير للأفضل، قال تعالى: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»، «الأعراف: 96».