تميّز إقليم البحرين في العصور الإسلامية بازدهار صناعي كبير، وقد مثّل مركزاً مهماً في مختلف الحرف والصناعات التي لبّت احتياجات السكان المحليين، وأسهمت في التبادل التجاري مع مختلف أنحاء الجزيرة العربية وخارجها. وتعدّ حرفة النسيج، وصناعة الأسلحة، وصناعة السفن، وصناعة الفخار من أبرز الصناعات التي اشتهر بها الإقليم، مما يدل على تنوع الاقتصاد المحلي وتقدّمه في ذلك العصر.

أولاً: حرفة النسيج:

برزت البحرين في صناعة النسيج بشكل لافت، حيث كانت تُنسب بعض أنواع الأقمشة إلى مناطق بعينها داخل الإقليم مثل «الهجرية» و«القطرية»، وهذه الأخيرة كانت أكثر شيوعاً، وتُصدّر إلى مكة وغيرها من الحواضر الإسلامية. من بين المنتجات التي اشتهرت بها البحرين: الملاحف، والأزر، والفوط، وكانت هذه الأقمشة تتميز بالجودة العالية والزخرفة الفاخرة، وقد وصفها ياقوت الحموي بأنها «لا يعمل في شيء من بلاد العرب مثلها»، مما يدل على التفوق الحرفي والتميّز الجمالي.

كما برزت دارين كمركز مهم في هذه الحرفة، وذُكرت في شعر جرير، ما يعكس رواج النسيج في هذه البلدة. وقد كانت عملية التلوين والصباغة تعتمد على المواد الطبيعية مثل الزعفران للحصول على اللون الأصفر، وقشر الرمان، مما يدل على معرفة متقدمة بطرق التلوين وتقنيات التجميل في الصناعة النسيجية.

ثانياً: صناعة الأسلحة:

اشتهرت البحرين أيضاً بصناعة الأسلحة، خاصة الرماح، وكانت هذه الصناعة تشمل الرجال والنساء على حد سواء. من أشهر أنواع الرماح: «الرماح الخطية» التي كانت تستورد أعوادها من الهند، ثم تُصنّع محلياً، وقد اكتسبت شهرة واسعة حتى صارت تُضرب بها الأمثال. كذلك عُرفت «الرماح الردينية» التي نُسبت إلى امرأة كانت تمارس هذه الحرفة في «خط هجر»، وهو ما يعكس المشاركة النسائية الفاعلة في الحياة الاقتصادية والإنتاجية. كما صُنعت في البحرين «الخرصان»، وهي سكاكين تشبه المنجل.

ثالثاً: صناعة السفن:

نظراً لموقع البحرين الجغرافي الاستراتيجي، فقد برع سكانها في صناعة السفن، وجعلوا من إقليمهم مركزاً بحرياً مهماً على مر العصور. وكان احتكاكهم بالشعوب المتقنة للملاحة مثل الهنود والصينيين سبباً في تطور صناعتهم. وقد تميزت السفن البحرينية بضخامتها وجودتها، حتى أن بعضها ذُكر في المعلقات الشعرية، كما في معلقة طرفة بن العبد. وكانت السفن تُطلى بالقير للحفاظ عليها من التآكل، وهو ما يدل على وعيهم بأهمية حماية وسائل النقل البحري.

رابعاً: صناعة الفخار:

مارس أهل البحرين صناعة الفخار منذ القدم، وتميزوا بالمهارة والإتقان في إنتاج أدوات منزلية متعددة مثل التنور، الجرار، القلل، الأكواب، المباخر، والزهريات. وكانت هذه الصناعة تلبي احتياجات السكان المحليين، واستمرّت حتى يومنا هذا، مما يعكس عمق الجذور الحرفية في الإقليم واستمرارها عبر العصور.

بالنظر إلى تاريخ البحرين الصناعي المشرّف، نجد أن ما حققته في العصور الإسلامية يشكّل أساساً متيناً لما تشهده اليوم من تطور صناعي حديث. فمملكة البحرين اليوم تستلهم من تراثها الحرفي والصناعي لتبني مستقبلاً اقتصادياً متنوعاً ومزدهراً، وهو ما تجسده رؤية البحرين الاقتصادية 2030، التي تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي، وتنمية الصناعات الوطنية، ورفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي. ويظهر هذا التوجه في دعم الحكومة لقطاعات مثل الصناعات التحويلية، وصناعة السفن، والحرف اليدوية، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال. وهكذا، فإنّ البحرين تواصل اليوم مسيرتها كأرض للصناعات، تماماً كما كانت في الماضي، ولكن برؤية عصرية تستند إلى التاريخ وتُعانق المستقبل.