سند جمال سند

من خلال تجربتي في العمل الإعلامي، أدركت أن الإعلام لم يعد مجرد منصة تنقل الخبر، أو تستضيف الرأي، بل أصبح عنصراً مؤثراً في تشكيل الذوق العام، وأحياناً في توجيه طريقة تفكير الجمهور دون أن يشعر. ومع هذا التحول، يبرز تساؤل مهم: هل ندرّب الجمهور على الوعي والاختيار، أم نوجّه ذوقه وفق إيقاع «الترند» السريع؟

في إحدى التجارب المهنية التي عايشتها، تم طرح قضية اجتماعية مهمة ضمن برنامج جماهيري، لكن التركيز لم يكن على جوهر القضية بقدر ما كان على عنوان مثير وتصريح قابل للانتشار. خلال ساعات، تصدّر المقطع منصات التواصل، وتحوّل النقاش من البحث عن حلول حقيقية إلى جدل سطحي وانقسام في الآراء. هنا، كان الترند حاضراً، لكن الرسالة غابت، وهو نموذج يتكرر كثيراً في المشهد الإعلامي اليوم.

السوشيال ميديا غيّرت علاقة الجمهور بالإعلام. المتابع اليوم لا ينتظر التحليل الكامل، بل يتفاعل مع مقطع قصير أو جملة مجتزأة. هذا الواقع خلق جمهوراً سريع الحكم، وسريع التأثر، وهنا تكمن خطورة المرحلة. فالإعلام، من موقعه، إما أن يستثمر هذه السرعة لبناء وعي، أو ينجرف معها ويكرّس سطحية مؤقتة.

ومن واقع التجربة، أؤمن أن الإعلام الذي يدرّب جمهوره هو ذلك الذي يحترم عقله، ويقدّم له المعلومة بوضوح وصدق، دون فرض رأي أو توجيه ذوق. فدور الإعلامي ليس إملاء القناعات، بل فتح أبواب النقاش، وطرح الأسئلة الصحيحة، حتى لو لم تكن الأكثر رواجاً.

مسؤولية الإعلامي اليوم لم تعد محصورة في السبق الصحفي، بل في الحفاظ على القيم المهنية وسط زحام المشاهدات والإعجابات. فالتأثير الحقيقي لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بما يتركه المحتوى من أثر فكري طويل المدى.

وفي زمن تُقاس فيه القيمة بعدد المشاهدات، يبقى السؤال الأهم: هل نريد إعلاماً يلاحق ذوق الجمهور، أم إعلاماً يصنع وعيه؟ أخطر ما يمكن أن يواجه الإعلام اليوم ليس غياب المتابع، بل غياب الوعي. فحين يتحول الإعلام إلى تابع للترند، يفقد دوره الحقيقي، وحين يختار صناعة الوعي، يصبح شريكاً في بناء المجتمع لا مجرد صانع ضجيج مؤقت.