أكد أستاذ الطب النفسي بجامعة الخليج العربي، واستشاري الأمراض النفسية للأطفال والمراهقين، الأستاذ الدكتور أحمد مال الله الأنصاري، أن الإرهاق العاطفي أصبح تحديًا منظوميًا متناميًا يفرض على المؤسسات إعادة النظر في أنماط العمل السائدة واتباع حلول مؤسسية شاملة، مشيرًا خلال محاضرة "الاحتراق الوظيفي في مجال العمل والدراسة" التي نظمها مركز جامعة الخليج العربي للاستشارات والتدريب، بالتعاون مع كلية الطب والعلوم الصحية، إلى أن منظمة الصحة العالمية صنّفت الإرهاق العاطفي في التصنيف الدولي للأمراض بوصفه متلازمة ناتجة عن الإجهاد المزمن في بيئة العمل غير المُدارة بنجاح.
وأوضح الدكتور الأنصاري مفهوم الاحتراق الوظيفي وأعراضه، والفرق بينه وبين الاكتئاب، واستعرض أساليب المعالجة وطرق الوقاية، بما يسهم في تعزيز الصحة النفسية وتحسين جودة الأداء في بيئة العمل والدراسة، موضحًا أن الإرهاق العاطفي يتجلى في ثلاثة أبعاد رئيسية تشمل استنزاف الطاقة والشعور بالإعياء المستمر، وزيادة المسافة النفسية أو التشاؤم تجاه العمل، إلى جانب انخفاض الكفاءة المهنية، وهي مؤشرات باتت واضحة في العديد من القطاعات الحيوية.
وأشار إلى أن الإحصاءات الحديثة تظهر أن نحو 76% من الموظفين يعانون من الإرهاق العاطفي على الأقل في بعض الأحيان، فيما يواجه 28% منهم الإرهاق بشكل دائم أو متكرر، لافتًا إلى أن النسب ترتفع بشكل ملحوظ في قطاعي الرعاية الصحية والتعليم لتتراوح بين 40% و50%.
وفي تشبيه يوضح الفكرة، شبّه الخبراء الإرهاق العاطفي ببطارية تستنزف تدريجيًا؛ إذ يتحول العمل في حالة الإرهاق إلى مصدر استنزاف دائم، لا يعالجه النوم أو الاستراحات القصيرة، ليبقى الفرد في حالة "طاقة منخفضة" مستمرة.
وأوضح الأنصاري أن للإرهاق العاطفي أنماطًا متعددة، من بينها الإرهاق الكلاسيكي الذي يجمع بين الإعياء والتشاؤم وتدني الإنجاز، والإرهاق الممتد فوق الطاقة حيث يستمر الإنجاز رغم الإعياء، إضافة إلى أنماط أخرى تختلف في درجات التعب والانخراط المهني.
وشدد على ما يؤكده الخبراء من أن مواجهة الإرهاق العاطفي تتطلب حلولًا متكاملة، تبدأ على المستوى الفردي بوضع حدود واضحة للعمل، وأخذ فترات راحة حقيقية، والاهتمام بالنوم والصحة النفسية، وطلب الدعم عند الحاجة. وعلى المستوى المؤسسي، تبرز أهمية ضبط أعباء العمل، وتعزيز الاستقلالية، والاعتراف بجهود الموظفين، وبناء بيئة عمل عادلة وداعمة يقودها قادة يرسخون ثقافة التوازن بين الحياة والعمل.
وتؤكد الدراسات أن الوقاية من الإرهاق العاطفي أقل تكلفة وأكثر فاعلية من علاجه، إذ تتكبد المؤسسات خسائر بمليارات الدولارات سنويًا نتيجة انخفاض الإنتاجية ودوران الموظفين، في حين تحقق برامج الوقاية عائد استثمار قد يصل إلى ثلاثة أضعاف تكلفتها.
وخلصت المحاضرة إلى أن الإرهاق العاطفي ليس ضعفًا فرديًا، بل نتيجة مباشرة لأنظمة عمل غير متوازنة، ما يجعل معالجته مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر الجهود الفردية والمؤسسية لضمان بيئات عمل صحية ومستدامة.