على مدى سنوات؛ كان موضوع التوظيف في البحرين، على رأس أولويات الدولة، وهو ما عكسته توجيهات سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بضرورة خلق فرص واعدة للمواطن في صدارة الأولويات، كخيار تنموي واضح المعالم.
اللافت في هذا التوجّه أنه يتعامل مع التوظيف كمسار متكامل، يبدأ من الإيمان بأن المواطن هو الثروة الحقيقية، ويمتد إلى بناء بيئة اقتصادية تجعل توظيف البحريني خياراً جاذباً للقطاع الخاص.
أما حين يؤكد سموه أن أولوية الخدمات والمستحقات يجب أن تكون لأهل البحرين، فهو يربط بين العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي، ويؤسّس لعلاقة صحية بين الدولة والمواطن قائمة على الثقة والمسؤولية.
لذلك فإن ما تحقّق العام الماضي لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق، حيث تجاوز الهدف السنوي لتوظيف البحرينيين، وارتفاع أعداد الداخلين الجّدد إلى سوق العمل، وهو ما يعطي تحولاً في آلية السوق، فلم يعد التوظيف محصوراً في القطاع العام أو مرتبطاً بالحلول التقليدية، بل بات القطاع الخاص شريكاً حقيقياً في تحمل المسؤولية.
وبدون شك فإن التنوع الاقتصادي الذي شهدته البحرين خلال السنوات الأخيرة لعب دوراً محورياً في توسيع خيارات التوظيف، حيث خلقت قطاعات الخدمات المالية والتكنولوجيا والسياحة والصناعة واللوجستيات، طلباً حقيقياً، وفتحت المجال أمام وظائف جديدة، حيث أصبح أمام الشباب البحريني أفق أوسع يختار منه ما يناسب طموحه وقدراته.
إلى جانب ذلك؛ لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبه التدريب والتأهيل، خصوصاً برامج «تمكين»، في صقل المواهب الوطنية، حيث التحدي الحقيقي في التوظيف يكمن في جاهزية الباحث عن عمل للاندماج السريع في بيئة العمل، ولذلك فإن الاستثمار في التدريب وربطه باحتياجات السوق، أسهم في تقليص الفجوة بين التعليم وسوق العمل، وجعل المواطن أكثر تنافسية وثقة وقدرة على الاستمرار والتطور.
من ناحية أخرى؛ جاءت إشادة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بالشركات التي بادرت إلى توظيف المواطنين كرسالة مهمة، وتأكيد الشراكة الحقيقية للقطاع الخاص في المشروع الوطني، وأن النجاح الاقتصادي الحقيقي يقاس بمقدار الإسهام في استقرار المجتمع وبناء مستقبله.
الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة، كما تؤكد توجيهات سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، هو الاستدامة، وأن يتحول التوظيف إلى مسار متواصل لا يتأثر بالظروف أو التقلبات الاقتصادية، فتكليف الجهات المعنية بمواصلة الجهود لتوظيف 25 ألف بحريني عام 2026، مع التركيز على الداخلين الجُدد إلى سوق العمل، يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التحدي الديمغرافي والاقتصادي في آن واحد.
ما يجري في سوق العمل اليوم يمثّل انعكاساً لرؤية سياسية واقتصادية ترى في المواطن محور التنمية وغايتها، وتدرك أن تنويع الاقتصاد لا يكتمل دون تنويع الفرص، وأن قوة السوق تقاس بقدرة أبنائه على المشاركة فيه بفاعلية.