وليد صبري


قالت استشاري الأمراض الروماتزمية وعضو جمعية أصدقاء الصحة د. سحر سعد إن آلام الظهر من أكثر الشكاوى الصحية شيوعاً، وغالباً ما تُعزى إلى الإجهاد أو الجلوس الخاطئ، إلا أن بعض هذه الآلام قد تكون مؤشراً على مرض التهابي مزمن يُعرف بالفقار اللاصق، وهو مرض يبدأ في سن مبكرة ويمكن السيطرة عليه بشكل فعّال عند تشخيصه وعلاجه في الوقت المناسب.

وأوضحت في تصريحات لـ"الوطن" أن الفقار اللاصق هو مرض التهابي مزمن يصيب العمود الفقري والمفاصل التي تربطه بالحوض، وبشكل خاص المفصل الحرقفي العجزي، مشيرةً إلى أن الالتهاب المستمر قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تيبّس الفقرات أو التحامها، ما يقلل من مرونة العمود الفقري، ويؤثر على الحركة وجودة الحياة. وأضافت أن المرض يبدأ عادة في مرحلة الشباب بين عمر 15 و40 عاماً، ويصيب الرجال بنسبة أعلى من النساء، لكنه قد يظهر لدى الجنسين.

وبيّنت د. سحر سعد أن السبب الدقيق للمرض لا يزال غير معروف، إلا أن هناك عوامل تزيد من احتمالية الإصابة، من بينها الاستعداد الوراثي ووجود جين HLA-B27، واضطرابات في جهاز المناعة تؤدي إلى التهاب مزمن، إضافة إلى وجود تاريخ عائلي للمرض، مؤكدة أن وجود هذه العوامل لا يعني بالضرورة الإصابة، لكنه يرفع نسبة الاحتمال.

وأشارت إلى أن أعراض الفقار اللاصق تتطور تدريجياً، وقد تمر سنوات قبل الوصول إلى التشخيص، لافتةً إلى أن أبرز الأعراض تتمثل في ألم أسفل الظهر أو الأرداف يستمر لأكثر من ثلاثة أشهر، ويصاحبه تيبّس صباحي أو بعد فترات الراحة الطويلة، مع تحسّن ملحوظ عند الحركة أو ممارسة التمارين، إضافة إلى صعوبة في الانحناء أو الالتفاف. وأضافت أن المرض قد يترافق مع أعراض أخرى مثل ألم أو تورم في مفاصل الركبة أو الكاحل، وألم في الكعب أو أسفل القدم، إلى جانب الشعور بالتعب والإرهاق المستمر، وقد تصل الأعراض في الحالات المتقدمة إلى نقص القدرة على أخذ نفس عميق نتيجة تأثر القفص الصدري.

وأوضحت أن الفقار اللاصق لا يقتصر تأثيره على المفاصل فقط، بل قد يمتد ليشمل أعضاء أخرى، حيث قد يعاني بعض المرضى من التهاب العين الأمامي المصحوب بالاحمرار والألم وتشوش الرؤية، أو أعراض معوية تشبه القولون أو الالتهابات المعوية، كما قد يترافق المرض في بعض الحالات مع الصدفية الجلدية.

وشددت على أهمية التمييز بين ألم الظهر العادي وألم الفقار اللاصق، موضحة أن آلام الظهر الميكانيكية المعتادة غالباً ما تبدأ بشكل مفاجئ، وتتحسن بالراحة، وتكون شائعة بعد المجهود، ولا يصاحبها تيبّس صباحي طويل، في حين أن أعراض الفقار اللاصق تتطور تدريجياً، وتترافق مع تيبّس صباحي واضح يستمر لفترة طويلة، وتتحسن بالحركة لا بالراحة.

وأكدت أن تشخيص المرض يعتمد على مجموعة من المعطيات تشمل التاريخ المرضي والفحص السريري، إلى جانب تحاليل الدم لقياس مؤشرات الالتهاب، وفحص جين HLA-B27 كعامل مساعد وليس تشخيصياً بمفرده، إضافة إلى استخدام الأشعة السينية أو التصوير بالرنين المغناطيسي للكشف المبكر عن الالتهاب.

وأضافت د. سحر سعد أنه لا يوجد علاج شافٍ نهائي للفقار اللاصق كونه مرضاً مناعياً مزمناً، إلا أن العلاجات المتوفرة حالياً فعّالة جداً في السيطرة على المرض والحد من تطوره، وتشمل العلاج الدوائي باستخدام مضادات الالتهاب غير الستيرويدية والأدوية البيولوجية التي تقلل نشاط الالتهاب، إضافة إلى أدوية أخرى تُحدَّد وفق حالة كل مريض. وأكدت أهمية العلاج الطبيعي والتمارين، مثل تمارين التمدد اليومية وتمارين التنفس للحفاظ على توسع الصدر، إلى جانب الحفاظ على وضعية جسم صحيحة.

وبيّنت أن نمط الحياة يلعب دوراً مكملاً للعلاج، من خلال التوقف عن التدخين، والحفاظ على وزن صحي، والنوم على فراش مناسب، والاستمرار في الحركة وتجنب الخمول. وأشارت إلى أن معظم المرضى يمكنهم العيش حياة طبيعية إلى حد كبير، والعمل وممارسة أنشطتهم اليومية دون عوائق كبيرة، خاصة مع التشخيص المبكر والالتزام بالعلاج، مؤكدة أن التطور الكبير في العلاجات البيولوجية غيّر مستقبل المرض بشكل جذري.

وختمت د. سحر سعد حديثها بالتأكيد على ضرورة مراجعة الطبيب في حال استمرار ألم الظهر لأكثر من ثلاثة أشهر، أو وجود تيبّس صباحي طويل، أو تحسّن الألم بالحركة، أو وجود تاريخ عائلي للمرض، أو ظهور أعراض في العين أو المفاصل، مشددة على أن الفقار اللاصق ليس مجرد ألم ظهر عابر، بل مرض التهابي يحتاج إلى وعي وتشخيص مبكر، فكلما بدأ العلاج في وقت أبكر، كانت النتائج أفضل والحياة أكثر نشاطاً وجودة.