في منطقة تزدحم بالتجاذبات، تُقاس قوة الدول بقدرتها على تحويل القيم إلى سياسات، والسياسات إلى مظلة تحمي الجميع، وتفتح أبواب التنمية. هنا يبرز نهج مملكة البحرين المتزن بوصفه مدرسةً في ضبط الإيقاع: هدوءٌ لا يُشبه التردد، وحزمٌ لا يُشبه الاستفزاز، ومبدأٌ لا يُغلق باب الحوار.

لقد رسّخ حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، رؤيةً ملكيةً مستنيرة جعلت التعايش والتسامح والأخوة الإنسانية قاعدةً رصينة للأمن والاستقرار. فحين تُدار الدولة بعقلية «صون الحقوق»، يصبح احترام التنوع الديني والثقافي جزءاً من المناعة الوطنية، وتتحول الاختلافات من وقودٍ للانقسام إلى طاقةٍ للتكامل الاجتماعي والاقتصادي.

ولعل اعتماد الأمم المتحدة يوم 28 يناير يوماً دولياً للتعايش السلمي يقدّم دليلاً ملموساً على انتقال التجربة البحرينية من حدود الجغرافيا إلى فضاء المعنى العالمي. هذه المبادرة، التي ارتبطت بجهود البحرين ومؤسساتها، لم تُضف لقباً بروتوكولياً للمملكة بقدر ما كرّست معياراً: أن السلام يُبنى بالتشريع والتعليم والعمل الأهلي، وباستثمار طويل النفس في ثقافة الحياة المشتركة.

ومن هذا المنطلق تتضح أهمية الأطر المؤسسية التي تعمّق الفكرة وتمنحها استدامة، وفي مقدمتها مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح، الذي يعمل عبر برامج تعليمية وتدريبية ومبادرات دولية لتعزيز ثقافة الحوار ومكافحة الكراهية، في انسجام مع رؤية الدولة لتمكين الإنسان وإعلاء كرامته. ولأن الاتزان الحقيقي يُبنى على تراكم العمل لا على لحظة عابرة، فإن حضور هذه المؤسسات يُحوّل القيم إلى ممارسات، ويمنح السياسة الخارجية «لغةً إنسانية» تزيد من رصيد الثقة.

هذا الرصيد يتجلى أيضاً في الدبلوماسية البحرينية: هدوءٌ في الأسلوب، وحزمٌ في المبدأ، وحرصٌ على إبقاء أبواب التفاهم مفتوحة. هذا ما لفت إليه معالي السيد أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، عندما وصف الدبلوماسية البحرينية بأنها «هادئة واعية» وأنها «تزن الأمور بميزان من ذهب»، في حديثٍ ضمن بودكاست «صوت الفكر» والذي ينظمه مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات» في حوار فكري يتناول تحولات النظام الإقليمي العربي، وتجليات الدبلوماسية البحرينية في محيطها العربي والدولي، ودور الفكر الاستراتيجي في قراءة اللحظة العربية واستشراف مساراتها المستقبلية. المغزى أن الدبلوماسية هنا ليست سباقاً في رفع الصوت، بل إدارة مخاطر: تقدير توقيت الرسالة، وانتقاء المفردة، وحساب أثر الموقف على تماسك الإقليم واستقراره وترك مساحاتٍ للحوار حين يضيق الأفق.

وتتعمّق دلالة الاتزان حين نقرأ جذوره المعرفية: الاستثمار المبكر في التعليم وتكوين الكادر. الإشارة إلى انفتاح البحرين على التعليم النظامي منذ أواخر القرن التاسع عشر ليست تفصيلاً تاريخياً، بل تفسيراً لكيف تُصنع الدبلوماسية: مدارس تُربّي على احترام الاختلاف، وجامعات تُخرّج كوادر قادرة على التواصل مع العالم، وإدارةٌ عامة ترى في رأس المال البشري جزءاً من الأمن الوطني. لذلك لا يُفاجئ أن يكون الخطاب البحريني أقل انفعالاً وأكثر قابلية للبناء المشترك.

وهنا تبرز قيمة «الذاكرة الوطنية» التي يعززها أمر جلالة الملك المعظم أيده الله، بأن يحمل العام 2026 اسم المغفور له الشيخ عيسى بن علي آل خليفة؛ ليصبح «عام عيسى الكبير» ثرياً بالدلالات الوطنية: استحضاراً لخبرة بناء الدولة الحديثة وسيادة القانون وروح التعايش في مجتمعٍ متعدد. الرسالة واضحة: أن المستقبل لا يُكتب بالقطيعة مع التاريخ، بل بالاتكاء على حكمته وتطويره بما يليق بعصرٍ شديد التعقيد.

وتظل مسؤوليتنا كمواطنين أن نُحسن قراءة هذه المدرسة الوطنية: أن نجعل بوصلتنا نهج دولتنا وقيادتنا، فنزن الكلمات قبل تداولها، ونتمسك بالوحدة، ونحمي سمعة البحرين كما نحمي بيوتنا. فالدولة التي اختارت أن تكون جسراً لا متراساً، تحتاج مجتمعاً يُترجم حكمتها في سلوكه اليومي؛ عندها فقط يتحوّل الاتزان إلى ثقافةٍ جامعة، ويغدو السلام مشروعاً وطنياً لا مجرد موقفٍ عابر.