نيفين مدور - أيمن المدهون
في أحد "دواعيس" سوق المنامة القديمة، حيث كانت الجدران صامتة والممر مجرد طريق عابر، قرر المواطن عارف العالي أن يزرع الجمال بيده، مؤمنًا بأن التغيير قد يبدأ من شخص واحد. فتحوّل الداعوس مع الوقت إلى مساحة نابضة بالحياة، تزيّنها الألوان، وتحلّق فيها الطيور، وتستقبل المارّة بطاقة مختلفة.
الفكرة لم تولد صدفة، بل جاءت بعد تجارب وسفر. فعارف العالي، الذي كان لاعبًا في المنتخب الوطني، تنقّل بين دول عدة، من بينها إيطاليا واليونان، حيث لفت انتباهه أسلوبهم في تزيين الممرات والأزقة القديمة، واستخدامهم للألوان ذات الدلالات الواضحة، خصوصًا الأزرق والأصفر مع الأبيض. ألوان بسيطة، لكنها قادرة على خلق هوية بصرية تبعث الراحة في النفس.
ويقول العالي إن بداية العمل على هذا "الداعوس" كانت بين عامي 2017 و2018، أي قبل جائحة كورونا، حين قرر أن يطبّق الفكرة التي ظلّت عالقة في ذهنه منذ رحلاته الخارجية. ومنذ ذلك الوقت، بدأ العمل خطوة بخطوة، وبمجهود شخصي كامل، دون الاستعانة بفريق عمل أو دعم جماعي.
لم يكن الهدف مجرد تزيين مكان، بل إيصال رسالة فبحسب العالي، حبّه للديكور كان الدافع الأول، يليه إيمانه بأن هذه الأماكن تمثل جزءًا من هوية البحرين، وأن مسؤولية الاهتمام بها لا تقع فقط على الجهات الرسمية، بل على الشباب وأهالي المناطق أيضًا. ويرى أن تزيين الدواعيس والزرانيق لا يحتاج إلى ميزانيات كبيرة، بل إلى مبادرة واهتمام، حتى وإن كانت التكاليف بسيطة.
واختيار هذا الداعوس لم يكن اعتباطيًا، إذ يقع بجوار بيت العائلة، حيث نشأ العالي، وعاش سنوات طويلة.
أما أول لمسة جمالية وُضعت في المكان، فكانت الطيور. اختيار لم يكن جماليًا فقط، إذ يؤكد العالي أن صوت الطيور يبعث الطمأنينة و"يعدل المزاج " على حد تعبيره وهي فكرة مستوحاة من التجارب الأوروبية ذاتها، حيث تحضر الطبيعة كجزء من المشهد اليومي.
ردود الفعل من أهالي السوق وزوّاره جاءت مشجعة وإيجابية، إذ يتوقف كثيرون للاستمتاع بالمكان، ويعبّرون عن إعجابهم بالمبادرة، بل ويقترح بعضهم أفكارًا لتوسيعها. هذا التفاعل عزز القناعة بأن الجمال لغة مشتركة، يفهمها الجميع دون شرح.
ويتمنى عارف العالي أن ينضم هذا الممر مستقبلًا إلى فعاليات «هوى المنامة»، وأن تكون التجربة نموذجًا يمكن تعميمه في شوارع ودواعيس أخرى. فلو تحولت الأزقة المهملة في البحرين إلى مساحات نابضة بالألوان والحياة، فإن ذلك سيضيف بعدًا جماليًا جديدًا للمدن والأسواق الشعبية.
ويختم العالي حديثه بالتأكيد على أن البحرين جميلة بطبيعتها وتاريخها، لكنها تستحق مزيدًا من الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة، تلك التي تصنع فرقًا كبيرًا في وجدان الناس، وتثبت أن الجمال قد يبدأ بخطوة... من داعوس صغير.