واقعة ترك مواطن من ذوي الهمم، ومصاب بإعاقة ذهنية بسيطة، لمدة تزيد على عشر سنوات في مستشفى حكومي، أُدخل إليه للعلاج من مرض مناعي، ولم يخرج منه، بسبب رفض ذويه استلامه طوال تلك السنوات، حتى بلغ الأربعين من عمره، هذه الواقعة تم التحقيق فيها وإحالة الوالدين إلى المحاكمة، بعد توجيه النيابة العامة لهما تهمة الإهمال في رعاية ابنهما من فئة ذوي الهمم، وهي جريمة يعاقب عليها القانون وفق المادة (47) من قانون رعاية وتأهيل وتشغيل ذوي الإعاقة لسنة 2006، بالحبس والغرامة.

هذه الواقعة فتحت باب التساؤل حول من يتحمل المسؤولية: هل ذوو المريض فقط؟صحيح أنهم ارتكبوا الجرم الأكبر بترك ابنهم عشر سنوات في أروقة وأجنحة وممرات مستشفى حكومي، وكان ذنبه الوحيد أن عقله يفكر كطفل في العاشرة من عمره، رغم أنه لا يشكّل خطراً على الآخرين، لكنه تُرك منسياً من أقرب الناس إليه. ولا يعفيهم مبرر عدم المقدرة على رعايته، فلا عذر يبرر استلام معونة شهرية، وهي حقه، وتركه للغرباء لرعايته.

ولكن المسؤولية تقع أيضاً على المستشفيات الحكومية التي أعطت مهلة عشر سنوات من عمر المواطن، وهو يعيش داخل مستشفى حكومي. فهي، وإن تحملت رعاية ومسؤولية هذا المريض وقامت بعلاجه، إلا أن المستشفى ليس مأوى أو ملجأ. ونشكرها على محاولاتها طوال تلك السنوات وحرصها على الحل الودي والحفاظ على حق المواطن، لكن كان يفترض اتخاذ الإجراءات سريعاً وإبلاغ الجهات المعنية مسبقاً، فالعشر سنوات ليست بالأمر الهيّن، وهذا الأمر قد يشجّع كل من لديه طفل مريض، أو من ذوي الحالات الخاصة على تركه في الإقامة الطويلة لسنوات دون حسيب أو رقيب.

والطرف الثالث الذي تقع عليه المسؤولية هو وزارة التنمية الاجتماعية. فأين المتابعة طوال عشر سنوات تُصرف فيها المعونة لشخص تُرك منسياً من قبل ذويه، وهو بأمسّ الحاجة إليها؟ فهي تغنيه عن رعاية أسرته بتوفير من يرعاه بماله. أليست هناك سجلات متابعة لحالات المستفيدين بشكل دوري، شهرياً أو سنوياً، حتى يُترك هذا الشاب في مستشفى حكومي عشر سنوات من عمره دون علم الوزارة؟ ألا تتوفر جهات أو مراكز ترعى هذه الفئة في حال عدم توفر من يرعاهم؟ علماً بأن هذا المبدأ لا ينطبق على قصتنا، إذ تُرك عمداً. أليس هناك ربط بين بيانات وزارة التنمية الاجتماعية والجهات الحكومية الإلكترونية لتتبع حالة المستفيد في حال دخوله المستشفى وخروجه، ليكون ذلك على بيّنة ومتابعة حالته أولاً بأول؟

ومع الحاجة في وقتنا الراهن إلى قيام المعنيين في وزارة التنمية الاجتماعية بتنفيذ زيارات دورية لمنازل ذوي الاحتياجات الخاصة، سواء من المستفيدين أو غيرهم، للتأكد من تلقيهم الرعاية اللازمة، وتقديم المساعدة والإرشاد لمن يستحق.

ورغم جميع هذه التساؤلات، فالجميع يتفق على أن المسؤولية الرئيسية تقع على الوالدين، ولكن هناك جوانب تتطلب متابعة وتقييم واتخاذ إجراء صارم حتى لا يُترك الحبل على الغارب.