أتمنى من إدارة المرور التركيز في حملاتها التوعوية بمناسبة دخول القانون الجديد حيز التنفيذ على نتائج المخالفات وأضرارها بالأرقام والإحصائيات لا على أسعار الغرامات، فقد تكون أرواح الناس أهم من سعر الغرامة!نتمنى أن يحاولوا فتح القلاع العقلية المقفلة التي حولت النقاش من المصائب التي تسببت بها تلك المخالفات وصلت إلى قتل وموت الآخرين، فحولته إلى نقاش يدور حول سعر الغرامة؟
التفكير العجيب حوّل النقاش إلى استنتاجات عجيبة، إذ وصل إلى استنتاج أنه حين تشدد الحكومة القوانين على المخالفات المرورية، فإن الهدف هو جمع الفلوس من المواطنين، فالحكومة وفقاً لهذا التفكير العجيب محتاجة فلوس لذلك ترفع الغرامات!!!! أما التفكير «الأعجب» فيصل إلى استنتاج إلى أن تشديد العقوبات ورفع الغرامات هو ظلم للفقير!! «يا مثبت العقل».
وماذا عن المقتدرين الذين يستهترون بحياة الناس بقصد أو بدون قصد أو بإهمال؟ ماذا عن الشباب حديثي العهد بالسياقة، والذين لا يقدرون مخاطر سرعتهم أو مخاطر انشغالهم أو عدم تركيزهم؟ ماذا عن الأرواح التي ذهبت والإصابات والعاهات التي نتجت عن تلك الحوادث؟
حقيقة لا تعرف كيف تتفاهم مع هذا «التفكير العجيب» أولاً هو ينطلق من أن القاعدة العامة الصحيحة لمستخدم الطرق راكباً أو راجلاً هي أنه سيخالف وسيستمر يخالف، والمطلوب من الحكومة إما أن تخفف الغرامات، أو تلغيها أحسن حتى تصبح حكومة طيبة جميلة تراعي الفقراء.
«التفكير العجيب» حول النقاش من ألم الإصابات وأثرها على المصابين نتيجة الحوادث المرورية إلى نقاش حول سعر الغرامة، ولم يتطرق أبداً إلى المخالفات وما هي الأضرار التي تسببت بها ولا الأضرار التي لحقت بالناس نتيجة تلك المخالفات التي يعتقد أنها بسيطة، ولا تستحق هذا الغرامة المشددة، ادخل على التعليقات، فسترى أغلبها تناقش مبلغ الغرامة حتى الساخر منها والرسوم الكارتونية جميعها تركز على سعر الغرامة وأثرها على جيب المواطن.!
البوصلة بها خلل، اتجاه التفكير خاطئ من الأساس فلا عجب أن ينسى ويضيع الهدف الأساسي ونجري جميعنا خلف الاتجاه الخاطئ.
الحملة الإعلامية لابد أن تعيد اتجاه البوصلة من جديد وتضع الهدف الأساسي نصب أعينها حتى يتغير التفكير العجيب للرأي العام ويعيد توجيه بوصلته هو الآخر.
المفروض والصحيح أن النقاش كله يتجه إلى عدد الوفيات، أسباب الحوادث عدد الإصابات، الخسائر البشرية الإعاقات الدائمة والإعاقات المؤقتة، أن نسمع من الضحايا أن ندق جرس التنبيه إلى أننا نتحدث عن حياة وموت لا عن كم دينار سعر هذه الروح التي كان بالإمكان عدم خسارتها.
الانشغال بالهاتف أو عدم التركيز أو عدم لبس الحزام لا يقلون أهمية عن السرعة جميعها أدت إلى حوادث، وقضت على حياة ناس، تلك ليست مبالغات تلك حقائق، ونحن مشغولون بجيب المواطن الذي ممكن أن يتسبب بارتكابه تلك المخالفات بقتل بشر، فقد يكون فقيراً ولابد من مراعاة وضعه المادي!!
هو ذات المنطق الذي علق به البعض من القراء على مقال الأحد، والذي ركزت فيه على مفاهيم استهلاكية خاطئة موجودة عندنا، والتي ترفع من قيمة السلعة -أياً كانت- لمجرد نشر خبر أن هذه السلعة ستشح من السوق قريباً، فنتهافت على شرائها حتى وإن كنا لا نحتاجها، ودعوت إلى عدم شرائها كما حدث مع حملات «خلوها تخيس».
فكتب البعض معلقاً إنني أستهدف بهذا المقال الفقراء الذين يبيعون تلك السلعة! وكان الأجدى حسب تفكيرهم أن أدعو لمقاطعة السلع الأمريكية والصهيونية!! «شدخل؟».
فعلاً تفكير عجيب، يرفع شعار «حماية الفقير» بلا وعي وكأن الإنسان إذا كان فقيراً، فيحق له ارتكاب كل المخالفات وعدم تحمل أية أضرار ناجمة عن سلوكه، وعلى الناس مراعاة وضعه المادي والعفو عنه!!