أصبحت عملية خلق المال من العدم تجري بوتيرة أكثر من أي وقت مضى، وأصبح بإمكان الدينار أن يلد ديناراً آخر، والمليون يلد مليوناً آخر، دون الحاجة لفتح مصنع واحد أو توظيف عامل إضافي، ويعود هذا الأمر لعدد من الأسباب ربما في مقدمتها الفوائد المركبة، والخوارزميات، والروافع المالية.
هذا ما يسمى بـ«انفصال الاقتصاد المالي عن الاقتصاد الحقيقي»؛ حيث تنمو الثروات الورقية أسرع بكثير من نمو الإنتاج الفعلي.
البنوك المركزية تخلق المال «من العدم» عبر السياسة النقدية والتيسير الكمي، والبنوك التجارية أيضاً من خلال «نظام الاحتياطي الجزئي»، فعندما تودع 1000 دينار، يقرض البنك 900 منها لشخص آخر، ليعيدها بعد فترة مع الأرباح والفوائد 1000 دينار: هكذا كان لدى البنك 1900 دينار في الأساس، لكنها أصبحت الآن 2000، بمعنى آخر، هكذا يُخلق مال جديد في النظام المصرفي عبر الديون.
لكن تبقى الحقيقة هي أن المال الذي يصنع مالاً دون قيمة مضافة هو مال مهدد بالتضخم، ومجرد لعبة أرقام ما لم يتم توجيهه نحو أصول ذات قيمة ذاتية: مشروعات تعالج ندرة الموارد، وتوفر طاقة نظيفة، وترفع جودة الصحة والتعليم هي التي ستحول «المال الورقي» إلى «ثروة حقيقية».
في منطقة الخليج، بما في ذلك البحرين، نجد أنفسنا أمام مفارقة اقتصادية لافتة؛ فبينما كانت الثروات قديماً تُبنى من «عرق التجارة» الملموسة في الموانئ والأسواق، نرى اليوم توجهاً متزايداً نحو «الاستثمار السيادي للمال»، حيث أصبح الاستثمار غاية في حد ذاته وليس مجرد وسيلة.
في المنامة والرياض ودبي، لم يعد الهدف هو تشغيل المال لخدمة مشروع قائم، بل أصبح البحث عن «وعاء استثماري» ينمو فيه المال ذاتياً من خلال الصناديق العقارية «REITs» والمحافظ الاستثمارية العابرة للحدود.
هذا «الاستثمار المجرد» يعتمد على استغلال الفوائض المالية الناتجة عن الطفرات النفطية وإعادة تدويرها في دورات مالية عالمية، مما يخلق نوعاً من الثروة التي تنمو «وهي نائمة»، لكنها تظل عرضة لتقلبات المزاج السياسي والنقدي العالمي.
كما أن تحول المستثمر الفرد نحو الاستثمار بغرض الاستثمار فقط قد أوجد طبقة جديدة من «المستثمرين السلبيين» الذين يلاحقون العوائد السريعة في العقار أو الأسهم دون النظر إلى القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
إن تحدي المرحلة القادمة هو كيفية تحويل هذا «الاستثمار المجرد» إلى «استثمار تنموي»؛ أي الانتقال من عقلية «كم سيلد هذا المليون؟» إلى عقلية «ماذا سيغيّر هذا المليون في واقعنا المعيشي؟»، لضمان ألا تظل ثرواتنا مجرد أرقام في شاشات البنوك، بل أصولاً حقيقية تحمي مستقبل الأجيال القادمة.