في الحديث الشريف؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة (...)، وذكر منهم «رجل استأجر أجيراً فاستوفى منه، ولم يعطه أجره».

أستفتح مقالتي اليوم بهذا الحديث، وأنا أقرأ رد وزارة العمل على النائب هشام العوضي، والذي جاء فيه أن الوزارة تلقت خلال السنوات الأربع الماضية 1843 شكوى من العمال بإخلال بعض المنشآت في التزاماتها بشأن سداد الأجور المستحقة لهم، بواقع 353 شكوى في عام 2022، و455 في 2023، و498 في 2024، و537 شكوى عام 2025.

ورغم تشدد القانون البحريني في هذا الجزئية تحديداً، تسليم الأجور في مواعيدها، نظراً لأهميتها الكبرى من الناحية الاقتصادية والنفسية والاجتماعية للعامل، وقبل كل ذلك الإنسانية، إلا أن بعض أصحاب العمل لا زالوا يماطلون فيها، في محاولة للاستقواء على الطرف الأضعف، ضاربين عرض الحائط بكل الشرائع والقوانين والأعراف الإنسانية.

ويحسب للتشريع البحريني، في هذه الجزئية تحديداً، حرصه على حصول العامل على كافة حقوقه حسب القانون، دون إخلال أو انتقاص من حقوق الأطراف الأخرى، لذلك فقد جاء نظام حماية الأجور، والذي بدأ تطبيقه في يوليو 2019، كأحد ضمانات حماية حقوق العامل، حيث يطلب من كل صاحب عمل دفع أجور العمال من خلال البنوك المعتمدة أو مزودي خدمات الدفع المرخصين من مصرف البحرين المركزي والمسجلين لدى هيئة تنظيم سوق العمل، مما يسهم في تعزيز استقرار سوق العمل وتهيئة بيئة عمل عادلة ومتوافقة مع أحكام القانون.

الفكرة هنا لا تتعلق فقط بأرقام وشكاوى متزايدة؛ بل عمال يستيقظون كل صباح وهم يحملون سؤالاً بسيطاً لا يفارقهم: متى يصرف الراتب؟ لذلك فحين يحرم العامل من أجره، فإنه يسلب الشعور بالأمان، لذلك لم تكن مسألة الأجور قراراً إدارياً؛ بل قضية كرامة إنسانية تمس الاستقرار النفسي والاجتماعي قبل أن تمس الحسابات البنكية.

وإذا كان القانون البحريني قد ذهب بعيداً في حماية هذا الحق، فإن التحدي الحقيقي يظل في الضمير قبل النص، وفي الالتزام قبل العقوبة، فالمماطلة في صرف الأجور تظل فعلاً غير أخلاقي إلى جانب كونها مخالفة قانونية.

وبرأيي الشخصي؛ لا بد أن ينظر إلى نظام حماية الأجور كترجمة عملية لفكرة أوسع بأن العدالة في سوق العمل ضرورة لاستقرار المجتمع، فالعامل الذي يتقاضى أجره في موعده هو عامل أكثر إنتاجاً، وأكثر ولاءً، وأقل عرضة للانكسار، وحين تقدم الإنسانية يصبح القانون حارساً للكرامة وليس مجرد أداة عقاب، وتتحول العلاقة بين العامل وصاحب العمل من صراع خفي إلى شراكة تقوم على الاحترام.