حين أعود بذاكرتي إلى أيام كنت أدرس فيها المرحلة الابتدائية في مدرسة العروبة الابتدائية للبنات في منطقة عراد، تبرز أمامي صورة طفلة نشيطة تحمل في عينيها بريق الحماس وشغف المبادرة، كانت سارة أحمد بوحجي تلك الطفلة التي لا تُنسى، والتي اكتشفت فيها روحاً وطنية متقدة، وحيوية لا تنضب، ومبادرات لا تعرف الكلل أو الملل.
كانت كزهرة صغيرة في بستان الحركة الكشفية، تنمو وتتفتح بحيوية ونشاط، تعكس صورة المرأة القائدة التي بدأت تتبلور من بداياتها.
ولدت سارة في بيئة قيادية حافلة بالعطاء والتفاني، تحت رعاية نساء متميزات مثل الدكتورة فوزية الجيب، والدكتورة شيخة الجيب، والسيدة بدرية الجيب، اللاتي صقلن فيها روح القيادة والتميز، كان هذا البيت منارات تُضيء دروب الأجيال، وبذور النجاح التي نمت وتطورت لتصبح شخصية وطنية فذة تتسم بالإبداع والقيادة الحكيمة.
ولا يخفى على أحد أن أسماء هذه الأسرة الوازنة تنقش على قائمة القيادات الوطنية، حيث قدمت بحضورها وإسهاماتها الفعالة بصمة لا تمحى في مسيرة وطننا الغالي.
في عالم تتسارع فيه وتيرة التغيير، وتكثر فيه الأصوات، برزت سارة كشخصية فذة تجاوزت حدود الزمان والمكان، لترسم لنفسها مساراً استثنائياً في ساحات الإبداع والقيادة، لم تكن قصة نجاح عابرة، بل تجسيداً حياً لروح الإصرار والابتكار، التي تنسجم مع هوية وطنها، وتسطر تاريخاً جديداً من العطاء المستدام.
لا يمكن فصل مسيرتها عن القيم التربوية العميقة التي غرسها معلموها، الذين آمنوا بقدرتها على التحليق عالياً، وكان إيمانها بنفسها مشعلاً ينير دروب من حولها، ومن خلال دورها كرئيسة تنفيذية لهيئة البحرين للسياحة والمعارض، نجحت في تحويل الرؤية إلى واقع ملموس، تحت قيادتها ارتقت البحرين كوجهة سياحية رائدة، تحمل رسالة تتجاوز الجغرافيا لتصل إلى العالمية بفخر واعتزاز.
في كل إنجاز تحققه، نلمس بصمة فلسفية راسخة: النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تحققه لنفسك فقط، بل بما تبنيه للأجيال القادمة، وبما تزرع من قيم وأخلاق، وتترك من أثر يدوم بعد الرحيل، سارة ليست فقط نموذجاً للقيادة النسائية في البحرين، بل رمز للتلاحم الأسري الوطني، حيث العطاء لا يعرف حدوداً ولا يختزل في أدوار رسمية فقط، بل يمتد كنبع يروي من حوله.
وبينما تتابع البحرين مسيرتها نحو المستقبل، تظل سارة بوحجي عنواناً للتميز والإبداع، تجسد معنى الولاء للوطن والتفاني في خدمة الإنسان والمجتمع، فتفتح أمامنا نافذة أمل تعكس روح الوطن وأمجاده المتجددة، وهنا تكمن رسالة لكل من آمن بقيمة التربية والتعليم: كل بذرة تُزرع في تربة صالحة قد تتحول إلى شجرة باسقة تؤتي ثمارها عبر الزمن.
نحن اليوم لا نفخر فقط بما حققته سارة من إنجازات، بل نستلهم من قصتها رسالة لكل أب وأم في هذا الوطن الغالي: إن تربية الأبناء على قيم الحب للوطن، والصبر، والعمل الجاد، هي بذرة الخير التي تزهر في المستقبل بأبهى صور العطاء والتميز، إن الوطنية والمواطنة الحقة تبدأ من البيت والمدرسة، حيث تُغرس في النفوس قيم الولاء والتفاني لتثمر شخصيات ترتقي بالوطن، وتضيء دروبه بحضورها المتميز وإبداعها المتجدد.
وإذ أرفع لكِ يا سارة أسمى آيات التهنئة القلبية، فخورة بكوني كنت معلمتك، وشاهدت حماسكِ وإصراركِ وعطائكِ منذ الصغر، أؤكد اليوم بكل فخر أن هذا التميز ليس صدفة، بل حقيقة مؤكدة ومستحقة، تجسدت عبر سنوات من العمل والالتزام، أنتِ بحق نموذج يُحتذى به، وفخر لكل من رآكِ تنمي وتتألقي.
ومن أعماق هذه الذكرى التي بدأت بها رحلتي معها كمعلمة في مدرسة العروبة الابتدائية، يفيض قلبي بالفخر والسرور لما أصبحت عليه هذه الطفلة النشيطة، التي تحولت إلى قائدة وطنية متميزة تحمل على عاتقها أمانة المستقبل، إن رؤية ثمرة تعبي وجهدي تنمو وتزدهر بهذا الشكل الباهر، تعيد لي الإيمان العميق بأن كل لحظة تعليم، وكل كلمة تشجيع، هي بذرة تُزرع في تربة الوطن لتنمو وتثمر.
سارة بوحجي ليست فقط قصة نجاح فردية، بل هي نموذج حي لتجسيد الإصرار، والقيادة الواعية، وروح الابتكار التي يمكن أن تخرج من أي صف دراسي، تحت إشراف معلم يؤمن بطلابه ويؤمن بوطنه، وإنني اليوم، وأنا أرى اسمها يتلألأ في قائمة القيادات الوطنية، أشعر بسعادة غامرة وفخر لا يوصف، لأنني كنت جزءًا من قصتها، وشاهدة على بداياتها.
فلتكن هذه القصة دعوة لكل معلم ومعلمة، لكل أب وأم، ولكل من يؤمن أن بناء الوطن يبدأ من الصفوف الدراسية، ومن تربية الأجيال على القيم التي تخلد في النفوس، لأننا معاً نصنع المستقبل بأيدينا، ونزرع الأمل في كل زهرة تشرق في سماء وطننا الحبيب.
وفي ختام هذه السيرة التي نحتفي بها، نرفع رؤوسنا بفخر لهذه الشخصية الفذّة التي تمثل البحرين بحروف من نور، وتعلن للعالم أن وطننا، بجهود أبنائه قادر على إعادة تعريف الإبداع والقيادة برؤية متجددة وأفق لا محدود.
فلتكن سارة نبراساً لكل من يسعى للتغيير، ولكل من يؤمن بأن النجاح الحقيقي يُبنى بحب، وعطاء، ورؤية وطنية تُشعّ بالابتكار وتُلهم الأجيال.
* إعلامية وباحثة أكاديمية