قرأت مقالاً لأحد الكتاب يحلّل فيه إعلاناً عن أحد المنتجات التجميلية، الذي ادعت الشركة المصنعة له أنه قادر على إخفاء آثار التقدم في العمر، وبالتحديد بيّنت قدراته الخارقة في التقليل من تجاعيد اليد التي أصبحت كما (الجذع الميت). تحليل الإعلان كان نفسياً في الدرجة الأولى، إذ بيّن الكاتب فيه كيف تستخدم شركات التسويق أساليب متعددة لإقناع الناس بشراء ما لا يحتاجونه، وذلك باتباع أسلوب بيع الخوف.

بيع الخوف هو أن أزرع الخوف داخلك فتظن أنك بدون هذا المنتج هالك لا محالة. ويبدو أن هذا الأسلوب غالباً ما يأتي بثماره، فتزيد مبيعات الشركات وتتضاعف، وكلما تمادت الشركات في تخويف الناس وترويعهم، كلما حققت المنتجات مبيعات أكثر، لأن الإنسان بطبيعته سيحاول دائماً النجاة من الهلاك.

وإن كان المقال قد حلّل بدقة أسلوب شركات التسويق العملاقة، إلا أن ظاهرة بيع الخوف باتت إحدى أهم المهارات التي يتقنها الناس من حولنا، حتى إن بعضهم يمارسونها باحترافية أكثر من شركات التسويق نفسها، فلا يكاد يمر يوم دون أن نسمع فيه عن تلك القصص لأشخاص كانوا ضحايا احتيال وكذب وخداع من أشخاص آخرين نجحوا في بيعهم الخوف مقابل الوهم.

بائعو الخوف من حولنا ينجحون باصطياد ضحاياهم غالباً باستخدامهم مصطلحات مثل: التعلق، والفقد، والحب، والشغف. فشعور مثل الحنين للماضي والذكريات القديمة أصبح صندوقاً يجب التخلص منه والنظر للأمام ومحو كل ذكرى مرّت في ذلك الزمن.

الحب على سبيل المثال أصبح قيداً يُقيّد تفكير الإنسان وتعلّقاً مرضيّاً يجب تجاوزه لنكون سعداء. والشغف في سوق بيع الخوف هو القاتل الصامت، فمن لا يملك شغفاً بوظيفته فهو يموت ببطء، وليحيا، عليه التخلص فوراً من تلك الوظيفة والجري خلف شغفه الذي يختبئ في مكان ما، وغيرها الكثير من المصطلحات التي خدّرت مشاعر الناس من حولنا وجعلتهم يفقدون الثقة في كل شعور طبيعي ظناً منهم أنه مرضٌ يهدّد بقاءهم، ويجب التخلّص منه في أسرع وقت.

بائعو الخوف برعوا في جرّ الناس إلى وهم التحرّر من القيود، وبثّوا في نفوسهم الرعب والخوف من كلّ شعور قد يشعر به الإنسان خلال حياته. لم تعد مشاعرنا كما كانت سابقاً، ليس مسموحاً في سوق بيع الخوف أن نحب أو نضحك أو نعمل، لأن كل ما نقوم به هناك يعني الهلاك، وعلينا أن نقاوم كل مشاعرنا ونقيّدها لنتحَرّر نحن ونعيش سعداء.

لم يعد الاحتيال كما كان في السابق، أبيعك وهماً وأسرق مالك. أخذ الاحتيال في هذا الزمن أشكالاً جديدة، وازدهر سوق بيع الخوف، وارتدى بائعوه أقنعة متعدّدة، ومدّوا لنا أيدي المرشد الناصح المعالج المعلم، حتى ضعنا بينهم، وبتنا لا نميّز بين يد تريد إنقاذنا، ويدٍ أخرى لا تبيعنا إلا الخوف.