هو "يوبيلنا الفضي" مجدداً، لكنه هذه المرة من قلنا نعم لـ"ميثاق العمل الوطني"، ومن أعلن قائدنا الشجاع بداية مشروع غير مسبوق غيّر خارطة البحرين.
اليوم تعود ذكرى ميثاق العمل الوطني لتقف شامخةً كإحدى أهم اللحظات الفارقة في تاريخ البحرين الحديث، ذكرى لا تُقاس بالسنوات، بل بما حملته من جرأة القرار، وصدق الرؤية، وعمق الثقة بين قائدٍ وشعبه.
اليوم، ونحن نحتفي باليوبيل الفضي للتصويت التاريخي على الميثاق، نستعيد ذلك المشهد الذي لم يغادر الذاكرة الوطنية؛ ملكٌ شجاع وحكيم يضع مشروعه الإصلاحي بين يدي شعبه، ويقول لهم بوضوح إن المستقبل لا يُبنى بقرار فردي، بل بثقةٍ جماعية تُصاغ عبر الإرادة الشعبية.
كان بإمكان جلالة الملك حمد، حفظه الله ورعاه، أن يمضي في مشروعه الإصلاحي دون استفتاء، لكن فلسفة القيادة لديه كانت مختلفة؛ أراد أن يقول البحرينيون كلمتهم، وأن يكونوا شركاء حقيقيين في رسم ملامح الدولة الحديثة.
جاءت الإجابة التاريخية بنسبة 98.4%، لتعلن البحرين بصوتٍ واحد: "كلنا مع حمد".
لم يكن مجرد رقم، بل كان إعلاناً لمرحلة جديدة أعادت صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأرست أُسس المملكة الدستورية التي تنظر إلى المستقبل بثقة، وتتحدى المتغيرات بإرادة متجددة.
نستذكر اليوم تلك اللحظة التي رفع فيها جلالته وثيقة الميثاق بكل فخر واعتزاز بعد أن حظيت بثقة شعبه، لحظة اختزلت معنى القيادة التي تستمد قوتها من الناس، لا من السلطة وحدها.
نتذكر كلماته التي رسم فيها ملامح البحرين التي حلم بها منذ صغره؛ البحرين التي تتسع للجميع، والتي تسير بثبات نحو التنمية والتحديث، وتؤمن بأن العمل المشترك هو الطريق الأقصر نحو الإنجاز.
قال يومها إننا "معاً سنصل"، ومع مرور ربع قرن، تثبت التجربة أن تلك الكلمة كانت منهجاً متكاملاً صنع تحولات عميقة في مختلف جوانب الحياة.
الاحتفاء بالميثاق هو احتفاء بمنعطف تاريخي أعاد تعريف مسار الدولة، ورسّخ مبادئ الإنسانية، وعزّز الممارسات الديمقراطية التي تنمو وتتطور عبر التجربة والتراكم. فقد فتح الميثاق أبواب العمل التشريعي والبلدي، وأعاد الحياة النيابية، وأسّس لثقافة المشاركة والمسؤولية المشتركة، لتكبر أجيال جديدة في ظل حكمٍ رشيد يوازن بين الأصالة والتجديد، ويمنح الوطن قدرة دائمة على التكيّف مع التحديات.
وفي هذا اليوم، نستعيد روحاً مازالت حاضرة في وجدان البحرينيين؛ روح الثقة التي جمعتهم حول قائدٍ تمتزج في شخصيته الهيبة بالرحمة، والعزم بالتفاؤل، والطموح بالتواضع. فقد كان الميثاق مشروعاً وطنياً بامتياز، حمل بصمة ملكٍ آمن بأن الإنسان هو أساس التنمية، وأن الاستقرار الحقيقي يُبنى على المشاركة والعدل والانفتاح.
سيظل الرابع عشر من فبراير يوماً مكتوباً بالذهب في تاريخ البحرين، يوماً جاء بفكرٍ شجاع ورؤيةٍ بعيدة المدى، يوماً قال فيه البحرينيون "نعم" لمستقبلٍ يصنعونه مع قائدهم. وبعد خمسةٍ وعشرين عاماً، تتجدد البيعة للمبادئ التي انطلقت من ذلك التصويت، ويتجدد العهد بأن تبقى البحرين ماضيةً في طريق التطوير والبناء، مستندةً إلى إرادة شعبٍ آمن بوطنه، وإلى قيادةٍ اختارت أن تكون "مع شعبها" لا فوقه.
وفي اليوبيل الفضي للميثاق، يبقى الشعار الذي وحّد القلوب حاضراً كما كان: "نعم.. كلنا مع حمد"، والأصح "للأبد.. مع حمد".