لم يكن اسم الشيخ عيسى الكبير مجرد صفحة في كتب التاريخ بالنسبة لي، بل كان حاضراً في أحاديث سمعتها منذ الصغر، تناقلها الآباء عن الأجداد، كما تُتناقل الحكايات التي تختزن ذاكرة الوطن.

فقد كان جدي، محمد بن عبدالوهاب الفيحاني، يروي مشاهد من تلك الحقبة التي شكّلت ملامح البحرين الاقتصادية والاجتماعية، ونتناقلها أباً عن جد.. وهي حقبة اتسمت بالاستقرار والحكمة، وكان الشيخ عيسى الكبير أحد أبرز رموزها.

ومن خلال ما رواه لنا جدي، والشواهد والدلائل التاريخية.. تعرفت على مرحلةٍ ازدهر فيها اقتصاد اللؤلؤ، وترسخت فيها أسس الدولة، وتجلّت علاقة الحاكم بالمجتمع والتجار، في زمنٍ كانت فيه البحرين مركزاً حيوياً في الخليج.

يُعد عهد الشيخ عيسى بن علي آل خليفة "عيسى الكبير" المرحلة التأسيسية التي وضعت البحرين على خارطة الاقتصاد الإقليمي والدولي، فمن منظور اقتصادي، لم يكن هذا العهد مجرد فترة استقرار سياسي، بل كان عملية إعادة هيكلة شاملة للموارد وتحويلها من أنشطة عشوائية إلى قطاعات اقتصادية منظمة تمتلك أُطراً قانونية وإدارية.

ووضع الاستقرار السياسي في عهد الشيخ عيسى الكبير القاعدة الصلبة التي سمحت بنمو الأنشطة الاقتصادية، وفي مقدمتها الأمن الذي يعتبر المتطلب الأول لتدفق رؤوس الأموال، وهو ما تحقق فعلياً من خلال تعزيز الثقة الائتمانية بتشجيع التجار المحليين والأجانب على ضخ استثماراتهم في البحرين، مما أدى لزيادة ملحوظة في نمو الاقتصاد مقارنة بدول الجوار.

ولو أن هذا المصطلح لم يكن معروفاً في زمنه، إلا أن عيسى الكبير قام بتفعيله دون أن يحمل عنوان "حماية سلاسل الإمداد" حيث ضمن في عهده حماية الدولة لحركة الملاحة وتوفير بيئة آمنة للملكية الخاصة واستمرارية العمل.

وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال قطاع اللؤلؤ الذي قاد نمو الدولة آنذاك، ولذلك شهد عصره ارتفاعاً في عدد سفن الغوص ليصل إلى 900 سفينة عام 1896، مما جعل البحرين مركزاً عالمياً لإنتاج اللؤلؤ الطبيعي، بل وأنشأ كذلك أول محكمة خاصة بنزاعات الغواصين والبحارة، واعتبرت أول منظمة تحمي حقوق العمال، وتخفض مخاطر النزاعات العمالية وتضمن استدامة النشاط.

ولقد أدرك حاكم البحرين الموقع الاستراتيجي للبحرين باعتبارها محطة رئيسية قديمة للتجارة في منطقة الخليج العربي مع الهند، وهو ما جذب التجار الأوروبيين ورفع قيم المبيعات مقارنة بالأسواق المجاورة، ولذلك بدأ في تشجيع صناعة السفن لتحقيق الاكتفاء الذاتي وصولاً إلى التصدير، وتفوقت البحرين في تلك الحقبة على مراكز أخرى في الإقليم بحرفييها وتوطن حرفيين من دول أخرى في المرفأ المهم بتلك الفترة.

وعند الحديث عن مرحلة التحول نحو الاقتصاد المؤسس الحديث، فقد تميز عهد الشيخ عيسى الكبير ببدء ملامح الدولة المنظمة اقتصادياً، حين أسس مكتب الجمارك لضبط حركة الاستيراد والتصدير، ليرفع من الإيرادات الحكومية دون الإضرار بمصالح التجار، ثم افتتاح البنك الشرقي كأول بنك رسمي في البحرين، والذي مثل النواة الأولى لما تُعرف به البحرين اليوم كمركز مالي عالمي، حيث وفر هذا التحول بيئة آمنة لحفظ الأموال وتسهيل المعاملات الكبرى.

ويمكن ملاحظة الرؤية الاستشرافية لحاكم البحرين الشيخ عيسى الكبير، في استقطاب أول بنك وأول مكتب جمارك وأول محكمة للغوص، ولكنه أيضاً أدرك أن الثروة البحرية المتمثلة في استخراج اللؤلؤ في طريقها للنضوب، فبادر بتوقيع أول اتفاقية للتنقيب عن النفط، وتأسيس شركة "بابكو" (1929م) لتكون أول شركة نفطية في الخليج العربي.

عيسى الكبير لم يكن زعيماً سياسياً فقط، ولكنه قاد العديد من المبادرات والمشروعات، وغير مسارات الاقتصاد في بلده لتتواءم مع كل مرحلة، وحافظ أيضاً على مصادر الحياة الأساسية للمواطن، وفي مقدمتها الأمن الغذائي، وحقق توازناً بين البحر والزراعة، ولذلك يعتبر عصر عيسى الكبير "نقطة الارتكاز" في التاريخ الاقتصادي للبحرين.