التاريخ الوطني لا يستعاد بدافع الحنين، بل لاستحضار اللحظات التي وُضعت فيها اللبنات الأولى لما نعيشه اليوم من استقرار وتقدم.

صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة طيب الله ثراه، كان مهندس مرحلة تأسيسية رسمت ملامح البحرين الحديثة، وأرست قواعد الدولة المؤسسية التي واصلت قيادتنا الرشيدة البناء عليها حتى عهد جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه.

حين تولى الشيخ عيسى الحكم عام 1869، كانت المنطقة تعيش تحولات سياسية واقتصادية عميقة، إلا أن حكمته وبُعد نظره جعلا البحرين تسير بثبات نحو الاستقرار والتنظيم.

من أبرز محطاته المفصلية تأسيس محكمة دعاوى الغوص عام 1894، وهي خطوة سبقت عصرها لحماية حقوق العاملين في أهم مورد اقتصادي آنذاك، وترسيخ مفهوم العدالة الاجتماعية. كما شهد عهده إنشاء أول بلدية في الخليج عام 1919، في إشارة واضحة إلى وعي مبكر بأهمية الإدارة المدنية وتنظيم المدن وفق رؤية حديثة.

لم يتوقف مشروعه عند حدود الإدارة والقضاء، بل امتد إلى التعليم والصحة، فشهدت البحرين في عهده افتتاح المدارس النظامية، وفي مقدمتها مدرسة الهداية الخليفية، إلى جانب تأسيس المستشفيات والمحاجر الصحية في زمن كانت فيه الرعاية الطبية نادرة في المنطقة. هذه المبادرات كانت ملامح رؤية متكاملة لبناء مجتمع متعلمٍ معافى، قادر على مواجهة تحديات المستقبل.

أظهر الشيخ عيسى الكبير فطنة سياسية في حكمه الممتد لستة عقود، بالتالي عزز الأمن والاستقرار، وأكد أيضاً أن الاستقرار السياسي هو أساس أي نهضة اقتصادية أو اجتماعية. وقد عُرف عنه قربه من العلماء والأدباء، فتحول مجلسه إلى ملتقى ثقافي يعكس روح التسامح والانفتاح التي عُرفت بها البحرين عبر تاريخها.

اليوم، ونحن نستحضر إرث "حكيم البحرين"، نُدرك أن ما تحقّق في عهده كان بداية مسار وطني طويل، واصلته قيادتنا حتى وصلت البحرين إلى ما هي عليه من حضور سياسي واقتصادي وثقافي راسخ. فالرؤية الإصلاحية التي أطلقها الشيخ عيسى الكبير وجدت امتدادها الطبيعي في مشروع التحديث والتطوير الذي يقوده جلالة الملك حمد، لترسّخ البحرين نموذجاً في الاستقرار والبناء المؤسسي.

تسمية هذا العام "عام عيسى الكبير"، رسالة وفاء لقائدٍ وضع الأساس، وتأكيد أن مسيرة البحرين لم تُبنَ في يومٍ واحد، بل عبر رجالٍ آمنوا بالوطن وعملوا لأجله بإخلاص.

وفي استحضار سيرته اليوم، نستعيد روح الحكمة التي صنعت تاريخنا، ونجدّد العهد على أن تبقى البحرين وطناً شامخاً بقيادته وشعبه، يسير بثقة نحو المستقبل. وطن يسير بقيادة "قائدنا الحكيم الشجاع".. حمد بن عيسى سدد الله خطاه.