قال تعالى: «وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا»، «الطور: 48» خطابٌ إلهي كريم، يحملُ في طيّاته تسليةً عظيمةً لنبيّه صلى الله عليه وسلم، ومعناهُ: أنّك تحظى بالحماية الكاملة، والرعاية الحَانية، والحِفْظ التّام، والإعزاز الخاص؛ فأنتَ بمرأى ومسْمَعٍ مِنّا، وفي كنفِ العِنَاية الإلهيّة واللّطف الشامل، فلا تُبالِ بما يصيبُك مِنْ هَمٍّ و غمٍّ، و ضِيْق صدر وكربٍ في طريق الدعوة والإصلاح والنّور والهداية.
«فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا» أي محروس غاية الحراسة، محفوظ غاية الحفظ، نحميك مِنْ كلّ سوءٍ ومكروهٍ، ونصُونُك مِنْ كلّ مكرٍ وشرّ، ونوّكل جنودنا لحفظك ورعايتك، ونرفع شأنك ومقامك، وندافع عن دِيْنك ونُعلي كلمتك، «فأنتَ بمرأى ومنظر منّا نرى ونسمع ما تقولُ وتفعل، ونحفظك ونحوطك ونرعاك» كما قال القرطبي.
والخطاب في الآية الكريمة، وإن كان موجَّهًا ابتداءً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليغمر قلبه سكينةً وطمأنينة، فإن العبرة –كما قرّر أهل التفسير– بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فيدخل في هذا المعنى كلُّ مَنْ سلكَ نهج الأنبياء والمرسلين، مِنّ الدعاة والمصلحين، والقائمين على ثغور الدعوة والجهاد، الذين بذلوا أنفسهم وأوقاتهم وأموالهم في نصرة الدين ورفع راية التوحيد، ولكلّ متّبع للنبي صلى الله عليه وسلم حظّ من هذه الرعاية بقدر اتباعه.
وهذه الآية الكريمة عميقة الدلالة، عظيمة الأثر؛ تختزل رسالة الأمان والسلام والطمأنينة، وتسكب بلسم الراحة والاستقرار والسكينة في القلب، إذ تشير إلى الحفظ والعناية الإلهية للمؤمن في أوقات الضيق والحرج، وتؤكد أن الله تعالى لا يتركه للضياع مهما اشتدت الظروف وتكاثفت الهموم، كما تُشعره بقيمته ومكانته عند الله عز وجل، وتغمر قلبه بالانشراح في لحظات القلق والاضطراب، فلا خوف ولا حزن ولا وحشة ولا كآبة ما دام في رعاية الله تعالى وعنايته.
وتعلّم الآية المؤمن الثقة بنصر الله وحسن تدبيره، وتواسيه بجبرالخاطر، وتثبيت الفؤاد عند الشدائد؛ لتهمس له: لستَ وحدك، بل تحفّك معيّة الله الخاصة، حتى في أحلك الظروف وأصعب اللحظات.
وتحمل الآية الكريمة معاني جميلة من حسن الظن بالله تعالى والأمل والتفاؤل: منها أنك يا عبد الله لستَ متروكا للصُدفة، بل ترعاك عين الله تعالى، وترى ضعفك وانكسارك، ودمعتك وحزنك وألمك، وأنّك محاط بلطفه وعنايته فلاتحزن بما يُحاك أويُقال، فكلّ شيء محسوب بدقة.كما تشير الآية إلى شروط نيل هذه المعيّة، ومنها: الصبر على أمر الله، وتسبيحه وتمجيده في كلّ وقت، ولا سيّما في الليل وعند الفجر: «وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ»، «النجم: «48-49».
قال أبو الفتح البستي:
واشدد يديك بحبل الله معتصمافإنه الركن إن خانتك أركان
شمعة أخيرة:
هذه الآية الكريمة ليست لحظة عابرة بل مدرسة حياة، فعندما تتأخر النتائج المرغوبة، وعندما تشعر بالغُربة وقلّة السالكين لطريق الحق، وعندما تشعر بالظلم مِنْ أحد، وعندما تقلق على مستقبل، وعندما تنْكسر لأمرٍ ما، وعندما تشعر أن دعاءك لم يُستجب.. لا تقلق، وتذكّر دائماً: «فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا».