لم يتبقَّ على رمضان سوى ليالٍ معدودة، ومع اقتراب موعد تحرّي هلاله تتبدّل ملامح الأيام بهدوء، وتتهيأ المدينة لاستقبال شهرها المنتظر بإيقاع أكثر سكينة، أضواء المساجد، رائحة الهيل في المجالس، صوت القرآن قبل المغرب بلحظات، والتراويح التي تُعيد تشكيل علاقتنا بالليل، وهذا العام تحديداً، يذكرني برمضان طفولتي حين كان يأتي في الشتاء؛ ليلٌ طويل، هواءٌ بارد، وسكينة تمتد من صلاة العشاء حتى ما بعد منتصف الليل.

حيث كنا في تلك السنوات، نجتمع مع العائلة على الإفطار، نلتم حول جدتي (رحمها الله) لاحتساء الشاي، وبعدها يخرج الرجال إلى صلاة التراويح، وتبقى المجالس عامرة بأحاديث تمتد، ويكون الليل رحباً بما يكفي للزيارة، للضحكة، وللمرور على الأقارب بلا استعجال.

اليوم، ومع تغيّر نمط الحياة وتسارع إيقاع المدينة، نحاول أن نحافظ على تلك الروح، نذهب إلى التراويح، نعم، لكننا نراقب الوقت، نجتمع عائلياً، لكن الهاتف لا يغيب، نحاول أن نعيد ترتيب يومنا بين العمل والعبادة والأسرة، ونبحث عن توازن لا يختل، ولكنه صعب الحصول عليه في زمننا هذا.

ومع كل رمضان يعود النقاش حول ساعات العمل، وتبدأ المقارنات في وسائل التواصل الاجتماعي، جداول تُنشر، وأرقام تُقارن، وتساؤلات تُطرح بهدوء أو بحدّة أحياناً، وهنا ينتقل الحديث تلقائياً إلى الدوام في رمضان باعتباره تفصيلاً يمسّ شكل اليوم كله، فساعة البداية وساعة الانصراف عوامل تؤثر في ترتيب يومك من تحديد موعد النوم، وفي طاقة الصائم، وفي المساحة المتبقية من الليل للأسرة والعبادة.

في البحرين، حُددت ساعات العمل الحكومية من الثامنة صباحاً حتى الثانية ظهراً، وعند المقارنة الخليجية، نجد تنوعاً في المقاربات، فبعض الدول تعتمد خمس ساعات يومياً، وأخرى أربع ساعات ونصف، وبعضها يضيف هامشاً مرناً لبداية الدوام أو يسمح بنسب من العمل عن بُعد، وهذا التنوع يعكس اختلافاً في طريقة قراءة الشهر وتنظيم يومه المؤسسي؛ فكل دولة توفق بين متطلبات الخدمة العامة وخصوصية الزمن الرمضاني وفق أولوياتها. وفي هذا السياق، تُعد البحرين من بين الأعلى في عدد ساعات الدوام خلال رمضان مقارنة ببعض دول الخليج التي اعتمدت خمس ساعات أو أقل.

ولكن مع اقتراب رمضان، يبرز سؤال مختلف قليلاً، هل يمكن أن نُعيد توزيع الساعات بما يمنح الناس مساحة أوسع للاستمتاع بالشهر، من دون أن تتأثر جودة الخدمة؟

لسنا أمام طرح نظري، فقبل أعوام، وفي ذروة جائحة كورونا، انتقلت الدولة إلى العمل عن بُعد خلال أيام قليلة، فاستمرت المعاملات، وعُقدت الاجتماعات، وأُنجزت التقارير، بل وتسارعت بعض الإجراءات، فقد كانت تجربة اضطرارية، لكنها أثبتت أن الجهاز الحكومي قادر على التكيّف عندما تتطلب الظروف ذلك.

نحن اليوم لا نتحدث عن ظرف صحي طارئ، ولكنا نتحدث عن شهر له خصوصيته الروحية والاجتماعية، فساعة أقل في اليوم، أو يوم واحد بنظام عمل عن بُعد أسبوعياً، قد يصنع فارقاً حقيقياً في حياة الموظف والأسرة، كما سيُسهم في تخفيف الازدحام في أوقات الذروة، وتقليل الإرهاق في منتصف النهار، إتاحة وقت أطول للتراويح أو للتجمع العائلي، كلها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، كبيرة في أثرها الاجتماعي والروحي والنفسي.

فالفكرة أن نعمل بمرونة وذكاء، فبعض الإدارات تتطلب حضوراً كاملاً بحكم طبيعة خدماتها، وأخرى تقوم على مهام مكتبية يمكن إنجازها بكفاءة من أي مكان، والتمييز بين طبيعة الوظائف، وتفعيل نموذج هجين خلال رمضان، يعزز كفاءة الأداء ويعكس ثقة بالمؤسسة وبموظفيها.

رمضان شهر التوازن، وتخفيف إيقاعه جزء من روحه، فتجربة العمل عن بُعد في الظروف الاستثنائية أثبتت قدرة الجهاز الحكومي على التكيّف بكفاءة عالية، وتفعيله جزئياً خلال الشهر الفضيل ينسجم مع هذا المسار، ويعكس تطوراً طبيعياً في نموذج إدارة حديث يضع الإنسان في قلب المعادلة، من دون أن يمس جودة الخدمة أو انتظامها.

أتذكر ليالي الشتاء القديمة، حين كان الفجر يتأخر، وكان النوم بعد السحور ممتداً، وكان النهار قصيراً لا يرهق الجسد. اليوم تغيّر كل شيء، إلا حاجتنا إلى ذلك الإحساس بالسكينة، وربما يكون تنظيم الدوام، في أي دولة، محاولة لإعادة شيء من هذا التوازن، كلٌ بطريقته.

رمضان سيأتي، كما كان يأتي في طفولتنا، وسيملأ المساجد بالتراويح، والبيوت بالدفء، والقلوب بشيء من الطمأنينة، ويبقى علينا أن نُحسن إدارة يومنا، حتى لا يمر الشهر سريعاً ونحن نلهث خلف ساعته، بدل أن نعيش معناها.