كان لي شرف تقديم كتاب «عيسى الكبير.. باني الدولة الحديثة» لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، يوم أمس السبت الموافق 14 فبراير، أي في يوم «البيعة» لجلالته، فالميثاق هو البيعة الثالثة في تاريخ حكم

آل خليفة، البيعة الأولى كانت للشيخ عيسى بن علي (عيسى الكبير) حين اختاره شعب البحرين، وذلك ما أقرت به بريطانيا عام 1870م في تقرير لوزارة الخارجية بتوقيع «و. ويدربرن» القائم بأعمال السكرتير لحكومة بومباي.

حيث جاء بالنص العبارة التالية «وتبيّن أن سكان البحرين عموماً كانوا يرغبون بشدة في إعادة أسرة الحاكم الراحل، ممثَّلة بابنه عيسى بن علي» وهي وثيقة يتشرف الكتاب بنشرها. أما البيعة الثانية، فقد حظي بها الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة يوم الاستفتاء الذي أجرته بعثة الأمم المتحدة بعد انتهاء الفترة الزمنية لمعاهدة الحماية البريطانية عام 1970م والذي أكد فيه شعب البحرين بيعته للحكم العربي الوائلي وعدم تبعيته لأي قوى أجنبية.

وفي 2001م حظي جلالة الملك حفظه الله ورعاه ببيعة شعبية كانت نسبتها 98.4% ويا لها من نسبة شهد بها الجميع. هذا التاريخ العريق للحكم الذي بدأ من 1768م أي منذ الانتهاء من بناء قلعة «صبحا» في الزبارة وتلاه فتح البحرين 1783م واستمر إلى يومنا هذا، لم يحظَ إلى اليوم -بالرغم من كل الجهود المبذولة سابقاً- وهي جهود لا يمكن إنكارها أو التقليل من أثرها، وهي جهود وثقت ذلك التاريخ نعم، لكن هذا التوثيق ليس كافياً لنفهم ونستوعب ما الذي مر به هذا الحكم من تحديات جسيمة، وكيف صمد أمامها وتجاوزها.

مساحة التحليل النقدي بها شح كبير وتركت لزمن طويل ليملأها كل من له أجندة سياسية لا تتفق مع ذلك التاريخ، استغلها من تعامل مع التقارير البريطانية والمصادر بانتقائية لوي بها الواقع كي يتماشى مع سرديته التي تخدم أجندته.

فعمل على نشر سرديات مغالطة أن البحرين كانت مستعمرة!! وذلك ليس صحيحاً أبداً، فالبحرين لم تحتلها بريطانيا ولم ترفع علمها ولم تحكمها ولم تغيّر عملتها، فالبحرين تحت حكم آل خليفة حرة مستقلة من قبل أن توقّع أي اتفاقية مع بريطانيا ومن بعدها، فكانت الأولى 1820م عبارة عن اتفاقية سلام عام لتنظيم أمن مياه الخليج العربي احتفظت فيها البحرين باستقلاليتها وظلّت كذلك مع كل اتفاقية وقّعتها مع بريطانيا بعد ذلك.

ثم عملت السردية على إقناع الناس بأن بريطانيا هي من جاءت بحكام الإمارات الخليجية ومنها البحرين، وتلك سردية مضحكة لأن آل خليفة وهم العتوب حكموا الزبارة والبحرين قبل التواجد البريطاني وقبل أي نوع من أنواع التعامل بين آل خليفة والبريطانيين بأربعين عاماً توالى الحكام الخليفيون فيها واحداً تلو الآخر قبل أن تدخل بريطانيا لتوقّع معاهدات سلام مع الشيخ سلمان بن أحمد آل خليفة 1820م، ومن المسلمات أن الاتفاقيات لا تُوقّع ولا تعقد المعاهدات مع كيان مستعمر (بفتح الميم)، بل الاتفاقيات تُوقّع بين طرفين متساويين في المكانة القانونية، وهذا يعني استقلالية البحرين واستقلالية بريطانيا.

وعملت السردية على القول بأن الشيخ عيسى بن علي «عُزل» عن الحكم، والواقع يؤكد أنه ظل حاكماً إلى آخر يوم في حياته، وابنه الشيخ حمد عُيّن نائباً له وحُوّلت له الصلاحيات الإدارية، إنما لم يُنصّب الابن على كرسي الإمارة إلا بعد وفاة أبيه بشهرين. عملت السرديات على تجريد الحكم من شرف مقاومة التدخلات البريطانية والانتفاضة في وجه المحاولات البريطانية للتعدي على السيادة والكرامة الوطنية البحرينية، والواقع يؤكد بأن من قاد الحراك الوطني الذي طالب بأول مجلس تشريعي كان هو الشيخ عيسى

بن علي آل خليفة بنفسه. كانت البحرين مستقلة، والمعاهدات التي بينها وبين بريطانيا لا تمنح الأخيرة حق التدخل في الشؤون الداخلية أبداً، وعلى هذا الأساس قاوم الشيخ عيسى محاولات تدخلات المعتمدين ورفضها رفضاً قاطعاً، وكان يستطيع أن يجنح للهدوء والاستمتاع بالزعامة وعدم المخاطرة بمواجهة أقوى دولة في ذلك التاريخ برفضه (نصائحها)، لكنه آثر ركوب الصعاب من أجل ألا يترك البحرين لقمة سائغة لأي طامع.

كما نجح الشيخ عيسى في عدم الانزلاق في فخ الانقسام الطائفي الذي وضع إسفينه الإنجليز منذ الربع الأول من القرن العشرين، فتعامل مع المطالب التي تقدّمت بها جميع الأطياف بمنطق وعقلانية، المطالب التي رفضت التدخل البريطاني وحتى تلك التي طالبت بالتدخل البريطاني لم يعتبرها مطالب ضده، بل هي اعتبرها مطالب معيشية استجاب للممكن منها ووضّح الإجراءات التي ستٌتخذ بشأن المطالب الأخرى، فلم يتصادم الحاكم مع الشعب، ولولا تدخّل البريطانيين لربما جمع البحرينيون مطالبهم كلها في وثيقة واحدة. وبالرغم من كل التحديات الجسيمة إلا أن شعب البحرين بقي واحداً، ذا هوية بحرينية فريدة من نوعها صاغها الحكم الخليفي، وبالأخص الشيخ عيسى بن علي

آل خليفة، هوية تميّز البحريني بانصهار جميع التعدديات في بوتقة وطنية واحدة بالرغم من كل أطيافه المذهبية والعرقية، وهذا إنجاز يُحسب للشيخ عيسى بن علي يُسجّل باسمه، استمرت به البحرين إلى يومنا هذا.

ذلك غيضٌ من فيض ونقطة في بحر ذلك التاريخ العريق الذي يحتاج إلى مزيد من التحليل والتدارس بجرأة في التناول والطرح، فلا يخشى فيها من تلك السرديات التي تمدّدت في كذبها وادعاءاتها حين انفردت بالساحة بل يقارعها حجة بحجة. إذ نملك كنزاً من العراقة يحق لكل بحريني أن يفخر به.