في ظلّ تزايد الطلب العالمي على الطاقة وتصاعد التحديات البيئية، تبرز المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية (SMRs) بوصفها أحد الخيارات الواعدة ضمن منظومات الطاقة المستقبلية.

ويأتي ذلك في سياق التزام مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات» بتعزيز الشراكات المعرفية الدولية، ولا سيما في قطاع الطاقة، بما يدعم استشراف التحولات الاستراتيجية واستقراء انعكاساتها.

ضمن هذا الإطار، نظَّم المركز، بالتعاون مع السفارة الأمريكية لدى مملكة البحرين، حواراً فكرياً بعنوان «المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة في منظومات الطاقة المستقبلية»، قدّمه الخبير الدولي في أمن الطاقة النووية الدكتور راندي بيتي، بحضور ممثلين عن مؤسسات وطنية وأكاديميين ومهتمين.

ويندرج اللقاء ضمن برنامج أبحاث الطاقة والبيئة الذي يناقش التحولات الكبرى في قطاع الطاقة وتأثيراتها الراهنة والمستقبلية.- أفق استراتيجي للطاقة وتحولات عالمية متسارعة:

تناول الدكتور بيتي هذه التقنية من زوايا متعددة، ساعيا إلى تعزيز المعرفة بها وإبراز فرص تموضع الدول، خصوصًا الخليجية، ضمن خريطة التحول العالمي نحو مصادر أكثر استدامة وأمانًا.

وأكد أن هذه المفاعلات تمثّل مسارًا متقدمًا لتكامل الطاقة النووية وغير النووية، بفضل ما توفره من إنتاج أنظف ومرونة تشغيلية أعلى مقارنة بالمفاعلات التقليدية.

كما يتيح تصميمها المعياري نشرها تدريجيًا، ما يجعلها خيارًا مناسبًا للدول التي تبحث عن بدائل طاقية دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة وفورية.

استعرض المحاضر مؤشرات التحول العالمي نحو المفاعلات المتقدمة، مشيرًا إلى توسّع مشاريعها في أمريكا الشمالية، واقتراب تشغيل نماذج منها في الولايات المتحدة، إلى جانب إعلان الصين عن مفاعل جديد. وتعكس هذه التطورات تصاعد المنافسة في الابتكار الطاقي وإدراكًا متزايدًا لأهمية تنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمنها باعتباره ركيزة للسياسات المستقبلية.

- مزايا التّقنية ومتطلبات تبنّيها:

أبرز العرض مزايا المفاعلات الصغيرة من حيث الكفاءة والمرونة وإمكانات توظيفها في القطاعات الصناعية، مؤكدًا أن أهميتها لا ترتبط بحجمها بقدر ما تكمن في قدرتها على إعادة تشكيل أنماط إنتاج الطاقة وتوزيعها. كما تُعدّ أكثر صداقة للبيئة وتحظى بدعم متنامٍ من القطاع الخاص، ما يعكس تزايد الثقة في تقنيات الطاقة الجديدة.

غير أن تبنّيها يتطلب جاهزية تنظيمية وكوادر بشرية مؤهلة، الأمر الذي يستدعي دمجها مبكراً ضمن استراتيجيات التخطيط الوطني للطاقة.

- الاعتبارات الاستراتيجية الوطنية:

ركّز النقاش على إمكانية إدراج هذه المفاعلات ضمن مزيج الطاقة الوطني، في ضوء اعتبارات تتصل بالسلامة والبيئة والبنية التحتية وتنمية الكفاءات وبناء ثقة المجتمع. وفي المقابل، يمكن لهذه التقنية أن تسهم في إنتاج كهرباء منخفضة الانبعاثات الكربونية، بما يدعم التوجه نحو اقتصاد أكثر استدامة.

فعلى مستوى السلامة، يُعدّ اختيار موقع جغرافي ملائم تحدياً في ظل محدودية المساحة والكثافة السكانية، إذ يتطلب إنشاء مفاعل، حتى وإن كان صغيراً، موقعاً بعيداً نسبياً عن التجمعات السكانية والبُنى الحيوية، ما قد يدفع إلى دراسة خيارات مبتكرة مثل الربط الإقليمي أو المشروعات المشتركة.

أما بيئياً، فتبرز إدارة النفايات النووية كأحد أهم التحديات، ما يستوجب استراتيجيات واضحة للتخزين الآمن طويل الأمد أو إعادة المعالجة، وربما التعاون مع دول تمتلك خبرات متقدمة. كما تمثل حماية البيئة البحرية أولوية إضافية بحكم الطبيعة الجزرية للبحرين، بما يشمل الحفاظ على جودة المياه والتنوع البيولوجي.

- الجاهزية المؤسسية والشرعية المجتمعية:

يتطلب تبنّي هذه التقنية تطوير برامج تعليمية متخصصة تؤدي فيها الجامعات والمؤسسات التقنية دورًا محوريًا في إعداد الكفاءات، إلى جانب إنشاء بنية متكاملة للاستجابة للطوارئ تشمل خطط إخلاء وأنظمة إنذار مبكر وجاهزية القطاع الصحي.

كما أكّد الحوار أهمية تأسيس إطار تشريعي ورقابي عبر هيئة مستقلة تلتزم بمعايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية لضمان التشغيل الآمن وتعزيز الشفافية.

وفي موازاة ذلك، يظل القبول المجتمعي عاملاً حاسماً لنجاح أي برنامج نووي، وهو ما يتطلب بناء الثقة عبر الشفافية وإتاحة المعلومات وإشراك الرأي العام في الحوار، خاصة أن المخاوف المرتبطة بالطاقة النووية غالباً ما تتصل بالإدراك العاطفي أكثر من الحقائق العلمية.

الخلاصة

خلص الحوار إلى أن إدراج المفاعلات الصغيرة المعيارية ضمن الاستراتيجية الوطنية للطاقة لا ينبغي النظر إليه كخيار تقني فحسب، بل كمسار استراتيجي طويل المدى.

وحتى إن لم تتجه المملكة إلى بناء مفاعلات في المستقبل القريب، فإن الاستثمار في المعرفة، وتطوير البدائل، ودراسة تجارب الدول الأخرى عبر منهجيات قائمة على البحث وتحليل الحالات، تمثل خطوات ضرورية لتعزيز جاهزية البحرين لمتطلبات التّحول الطّاقي.