لم تولد وكالات الأنباء الدولية بهذه الضخامة التي نعرفها اليوم، بل بدأت كمبادرات خاصة صغيرة مدفوعة بالحاجة التجارية لتبادل الأخبار بسرعة وكلفة أقل. غير أن ما حوّلها إلى قوى إعلامية مؤثرة في تشكيل الرأي العام العالمي لم يكن فقط السبق الصحفي أو التطور التقني، بل الدخول في أطر تنظيمية واضحة عززت الثقة، وكرّست المهنية، ومنحتها شرعية دولية.
فعلى سبيل المثال تأسست Associated Press عام 1846 في نيويورك كمبادرة تعاونية بين عدد من الصحف الأمريكية، وأما Reuters فقد أسسها بول يوليوس رويتر في لندن عام 1851، وبدأت بخدمة نقل أسعار البورصات والأخبار المالية بين العواصم الأوروبية.
في تلك المرحلة، لم تكن هذه الكيانات تخضع لمنظومة تنظيمية دولية، بل كانت شركات خاصة تعمل وفق قوانينها الوطنية، وتخضع لمنطق السوق والمنافسة، قبل أن تلقى اهتمام الدول والحكومات التي أدركت بعدها أن قطاع الأخبار بات يتطلب أطرًا تنظيمية تنظم العلاقة بين الوكالات والحكومات دون تحويلها لأذرع رسمية ومن هنا انتقلت الوكالات إلى مرحلة جديدة من التميز بعد أن نالت الاعتراف القانوني في إطار قواعد مهنية دولية تتحرى الدقة وحقوق النشر، وهو ما عزز من حضورها وموثوقيتها لدى الجمهور.
هذا التطور التنظيمي لم يُضعف استقلاليتها، بل على العكس، منحها قوة معنوية وقانونية. أصبحت أخبارها مرجعاً رسمياً، وتستند إليها الحكومات، والبنوك المركزية، والأسواق المالية، وحتى المنظمات الدولية، والقوة هنا لم تكن فقط في الانتشار، بل في الثقة المؤسسية التي بُنيت عبر عقود من التنظيم والانضباط المهني.
ومن هنا نتعلم درساً تاريخياً يعيد نفسه في كل فترة زمنية، مع تطور وسائل الإعلام والنشر وهو أن التنظيم ليس تقييداً بل تمكيناً، ونجد في واقعنا اليوم أن بيئة الإعلام تشهد تحولات جذرية، فكل شخص يمتلك هاتفاً ذكياً يمكن أن يكون «ناشراً» وكل حساب في وسائل التواصل قادر على الوصول إلى آلاف وربما ملايين المتابعين.
غير أن السؤال الجوهري هو: هل الانتشار وحده يصنع المصداقية؟
التجربة التاريخية لوكالات الأنباء تقول العكس، الانتشار من دون تنظيم يخلق فوضى معلوماتية، بينما التنظيم يخلق ثقة مستدامة، وتنظيم قطاع الإعلام سواء التقليدي أو الرقمي - لا يعني فرض القيود، بل يعني تحديد المسؤولية القانونية ووضع معايير مهنية وحماية الجمهور من التضليل وحماية الممارس نفسه ويمنحه مكانة اعتبارية التي تحافظ على حقوقه.
وبين الحرية والمسؤولية نتأمل مسار Associated Press وReuters، لنجد أن صعودهما لم يكن نتيجة حرية مطلقة بلا ضوابط، بل نتيجة مزيج متوازن بين الاستقلالية والالتزام التنظيمي، إذ إن التنظيم الرشيد هو ما يحول المبادرات الفردية إلى مؤسسات مؤثرة ويحفظ للمهنة هيبتها واستدامتها.
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار أكثر من أي وقت مضى، ربما يكون التحدي الحقيقي ليس في سرعة النشر، بل في بناء منظومة تنظيمية تضمن أن تبقى المعلومة الصحيحة هي الأساس، والثقة هي العملة الأهم.