استفادت إيران من ثقل المملكة العربية السعودية الدولي في تخفيف الضغط عليها، وذلك حين أعلنت السعودية بأنها لن تسمح باستخدام أراضي المملكة للهجوم على إيران، كما استفادت تركيا من الدبلوماسية السعودية التي تجاوزت الخلافات بينها وبين تركيا، واتجهت للتركيز على الملف الاقتصادي لمنفعة الطرفين.
التغيّر الذي طرأ على العلاقة بين الدولتين (إيران وتركيا) من جهة، والسعودية من جهة أخرى، حدث بفضل الدبلوماسية السعودية الجديدة، التي ارتأت تفضيل تبادل المنافع بدلاً من المُضي في تعارض المصالح.
هذه الدبلوماسية الجديدة استثمرتها إيران استثماراً محدوداً، انحصر في طلب تخفيف الضغط عليها، وهي استفادة محدودة للإمكانيات التي ممكن أن يُتيحها ذلك التحوّل الكبير لو أنها فكرت كدولة طبيعية، وتخلت عن مشروعها الثوري.
الملاحظ أن المملكة العربية السعودية نجحت نجاحاً منقطع النظير في إحداث انعطافة تاريخية في مسار العلاقة بينها وبين أكبر قوتين إقليميتين في الجوار، كانتا إلى عقد مضى تُعتبران ألد أعدائها وخصومها وتسعيان إلى محاربتها، وهما إيران وتركيا.
فليس تلك معلومة جديدة بأن الدولتين، إيران وتركيا، كان لهما دور كبير في زعزعة أمن المنطقة برعايتهما للجماعات المتشددة فيما سُمّي بالربيع العربي عام 2011، حين بلغ العداء ذروته بتعرّض المملكة العربية السعودية لخطر الصواريخ الباليستية برعاية إيرانية وحملات الضغط الإعلامية التركية.
إنما اليوم تنظر هاتان الدولتان للمملكة العربية السعودية كطوق نجاة يساعدها على الخروج من أزماتها، وذلك تحول دراماتيكي كبير لم يكن ليحدث لولا أن السعودية ملكت جُرأة وقدرة تغيير المسار إلى الاتجاه المعاكس، والتقطت اللحظة التاريخية بجدارة، ذلك إنجاز عظيم يُحسب للدبلوماسية السعودية.
تركيا التقطت هذا التحوّل منذ عامين، فآمنت به وصدقته، ووضعت مصلحة شعبها كأولوية بدلاً من التمسّك بأحلام وهمية وطموحات سرابية بالزعامة الإسلامية، وها هي زيارة أردوغان الأخيرة التي قام بها للمملكة العربية السعودية تُترجم هذه القناعة.
ففي الوقت الذي تنشغل فيه إيران بالمفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية لإنقاذ نظامها، ملكت تركيا جُرأة الاستفادة من تغيّر المسار، وتفاعلت بواقعية عملية معه، فنقلت مستوى العلاقات مع المملكة العربية السعودية إلى علاقة شراكة اقتصادية استراتيجية.
ليت إيران تفهم الرسائل السعودية التي تدعوها إلى استثمار التحول والنجاح الدبلوماسي في تحويل العلاقات الثنائية، كما فعلت تركيا، إلى علاقات تخدم البلدين وتخدم النظامين معاً.
ها هي الزيارة التركية الأخيرة تنتهي بتوقيع وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، ووزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، اتفاقية للتعاون في مشروعات محطاتٍ لتوليد الكهرباء من الطاقة المتجددة، باستثمارات تبلغ ملياري دولار.
ووصل حجم التبادل التجاري إلى 6.493 مليار دولار عام 2022، و6.825 مليار دولار عام 2023، في حين بلغ في العام 2024 أكثر من 7 مليارات دولار.
وارتفعت صادرات تركيا إلى السعودية في 2025 إلى 3 مليارات و149.6 مليون دولار، من إجمالي حجم التبادل البالغ نحو 8 مليارات دولار.
بالنسبة لإيران، فإن الفرص الاقتصادية لا تقلّ عن الفرص التركية أبداً لو أنها اقتنعت أن تصبح دولة طبيعية، وتتخلى عن مشروعها.
يقول لطيفي، المتحدث باسم لجنة تنمية التجارة في وزارة الصناعة، إنه «من المُمكن أن يرتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين السعودية وإيران خلال بضع سنوات إلى أكثر من 10 مليارات دولار، وهو ما نأمل أن يؤدي إلى تحسين ظروف التجارة بين التجار والمصنِّعين من خلال إزالة الحواجز التجارية بين البلدين والمستثمرين من القطاع الخاص من كلا الجانبين».
لطيفي يتحدث باسم الشعب الإيراني الذي يتمنّى أن يعيش حالة طبيعية في محيطه الجغرافي، ويملك من الذكاء ما يمكنه التقاط فحوى الرسائل السعودية.
فهل يملك النظام الإيراني مثل هذا الذكاء، ويتعلّم من تركيا؟!