للأوطان رجالٌ يسبقون زمنهم، يرون في الأفق ما لا تراه اللحظة، ويختارون طريقاً يبدو شاقاً حينها، ثم يكتشف الجميع لاحقاً أنه كان الطريق الأمثل نحو الاستقرار.

ومنذ سنواتٍ لم يكن فيها مصطلح «السلام» سهل التداول في منطقتنا، كان حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، من أوائل دعاة ترسيخ ثقافة السلام بوصفه خياراً استراتيجياً لا ظرفياً.

لم تكن الدعوة يومها ترفاً سياسياً، ولا مجاراةً لمناخ دولي، بل قراءة عميقة لواقعٍ يحتاج إلى شجاعةٍ في الطرح، ورؤيةٍ في البناء.

واليوم، في ظل التحولات المتسارعة، يثبت الزمن أن رؤية جلالته كانت سابقةً لعصرها، وأن ما طُرح كنهج وقناعة وطنية أصبح ضرورة إقليمية.

إن الاجتماع الأول لمجلس السلام يشكل آلية تنسيقٍ دولي لدفع مسار السلام، ويتسق مع نهجٍ راسخ تبنّته البحرين منذ وقت مبكر، قائم على دفع الحلول، والانتقال بالمنطقة من منطق الصراع إلى التعايش والسلام، ضمن مقاربةٍ تربط الأمن بالازدهار، والاستقرار بالأمل.

وجسّد حضور جلالة الملك المعظم الدور المحوري للبحرين كعضوٍ مؤسسٍ في مجلس السلام، وأكد إيمانها بأن السلام الحقيقي لا يكتمل إلا بإعادة إعمار غزة، وبناء أفقٍ سياسي يلبّي تطلعات الشعب الفلسطيني المشروعة في دولته المستقلة ذات السيادة، ويضمن في الوقت ذاته العيش الآمن جنباً إلى جنب مع سائر دول المنطقة.

كلمة جلالته أكدت أن المنطقة تقف عند لحظة مفصلية تتطلب الشجاعة والرؤية، وأن السلام لم يعد احتمالاً نظرياً، بل مساراً قابلاً للتحقق كلما توفرت الإرادة الصادقة.

وهكذا، فإن الجرأة في تبني السلام لم تكن مغامرة، بل كانت حكمةً يبرهنها الزمن اليوم.

فيصل العلي