مبادرتان أرى فيهما صحوةً في العملية التعليمية، يقودهما الوزير الشاب د. محمد مبارك جمعة، تتعاملان مع مخرجات التعليم كمنتج مرن يستجيب لمتطلبات العصر، ولا يحاول أن يجبر العصر أن يستجيب له.
الأولى هي مشروع البكالوريا الدولية، وهي شهادة تؤهل حاملها لدخول أروقة الجامعات العالمية، وموجّهة لطلبة الثانوية القادرين على دخول مثل هذه الجامعات.
ولكن يجب على الطالب الراغب في الحصول عليها أن يُعدَّ نفسه منذ المرحلة الإعدادية، ولهذا لابد من توعية أولياء أمور الطلبة بأهمية هذه المبادرة الجديدة وكيفية الاستفادة منها.
هذه الفرصة كانت مُتاحة في بعض المدارس الخاصة، وهي الآن ستتوفر لأول مرّة في 18 مدرسة حكومية كبداية ثم تُعمَّم.
بإمكان هذه الشهادة أن تختصر سنةً دراسيةً جامعيةً للطلبة المتميّزين فيها؛ هذا حلم للطلبة في التعليم الحكومي أُتيح الآن لهم، وعليهم الاستفادة منه.
المُفيد في هذه المبادرة كذلك أن الطالب سيبدأ بدراسة مادتي الرياضيات والعلوم باللغة الإنجليزية منذ المرحلة الإعدادية، وهذا ما كنّا ندعو أن تتخذه وزارة التربية كقرار يشمل جميع مدارسها منذ فترة طويلة.
ونأمل أن تُعمَّم هذه المبادرة على جميع مدارس البحرين، أي دراسة الرياضيات والعلوم باللغة الإنجليزية، وليس لطلبة البكالوريا الدولية فقط، مما سيُعزّز مهاراتهم اللغوية بشكل يؤهّلهم لسوق العمل.
المبادرة الثانية هي مواكبة العملية التعليمية للقطاعات النشطة والواعدة في السوق، وتهيئة الطلبة لها منذ المرحلة الإعدادية من خلال مُقرَّر «الألعاب الإلكترونية». فهذا قطاع به مساحة واسعة جداً وتعطش السوق لمخرجاته شديد، وهو في ذات الوقت وجهة الشباب وشغلهم الشاغل.
لذلك، فإن تهيئة طلبة التعليم الحكومي لهذا القطاع مبادرة تسعى للتنسيق بين مخرجات التعليم ومتطلبات السوق. نأمل أن نُعدَّ الطالب البحريني لقطاعات مطلوبة في السوق بشكل أكبر.
وعموماً فإن مواكبة العصر وتوجيه التعليم ليكون حاضراً ومتفاعلاً مع التطورات، يُعدّ توجّهاً محموداً سيعمل على ألا تكون مخرجات المدارس الحكومية عبئاً على الدولة ولا على أولياء الأمور ولا على الطلبة.
الثورة التعليمية هي أهم احتياجات سوق العمل واحتياجات إصلاح الاقتصاد بشكل عام في الوقت الحاضر، فهي المشروع الذي لابد أن نُركّز عليه، إذ لا يقلّ أهميةً أبداً عن أي مشروع اقتصادي، بل هو عماده.
يستطيع أن يقضي على البطالة وأن يزيد موارد الدولة، وأن يُحسّن الاقتصاد وينمّيه، بل وبإمكان العناية به أن يسدً لك العجز ويؤدي الدّيْن العام، إن نجحت في جعل مخرجاتنا التعليمية مطلوبة لسوق العمل.
إذ ليس بالضرورة أن يتّجه جميع خرّيجي الثانوية العامة للجامعات، فليس بالتعليم الجامعي أو الأكاديمي فقط نحيا ونموت. علينا التركيز على الكلّيات والمعاهد، فمخرجاتهما تلقى رواجاً في السوق كعمالة أكثر من مخرجات الجامعات المتكدّسة في البيوت.
إنما علينا أن نضع هاتين المبادرتين، اللتين قامت بهما وزارة التربية وغيرهما، ضمن استراتيجية شاملة تُحيي ما أهملناه وتركناه يترهّل على مدى العقد والنصف الأخير.
فمشروع «هيئة ضمان جودة التعليم» كان من أهم المبادرات العظيمة التي وضع استراتيجيتها سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، قبل عقدين من الزمان، ولو قُدّر لها العمل -كما خُطط لها منذ بداية عملية إصلاح سوق العمل- لكان لها شأنٌ عظيم في تجويد العملية التعليمية، لكننا -كالعادة- لا نُكمل ما بدأناه وما سبقنا به غيرنا.
عند وجود عقبات وتحديات نُصاب بالإحباط ونترك العلّة حتى تتفاقم، ثم نجد أنفسنا وقد فاتنا القطار مع أننا نحن من وضعنا سكة الحديد له.
متفائلة جداً بصحوة في القطاع التعليمي، بوادرها تلك المبادرات الحية والتفاعلية، ونأمل ألا نكتفي بهما بل نراهما ضمن استراتيجية تعليمية شاملة تنعش آمالنا من جديد وتُعيد لنا مركز المقدمة الذي خسرناه.