يأتي شهر رمضان الفضيل ليكون فرصة للمؤمن أن يفعل الخيرات ليحصد غنائم الرحمة والمغفرة والعفو من رب العالمين، ولقد ذكر الله تعالى الذين ينفقون أموالهم في آيات كثيرة، لكنه اشترط على الإنفاق بألا يكون مقترناً بالرياء والمن والأذى وإلا سيكون المسلم قد ارتكب خطأ كبيراً.
الآية «262»، في سورة البقرة تبدأ بالحديث عن الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، وعندما نقعد لنحسب نجد أن كل دينار يصل بهذه الحسبة القرآنية إلى 700 دينار، ولكن لا يتوقف العطاء الرباني عند هذا الرقم، فيواصل جل جلاله ويقول (والله يضاعف لمن يشاء) أي أن تلك السبعمائة قد تتضاعف من الله للعبد بأضعاف لم يُذكر لها حدود في الآية الكريمة ليفتح لنا أبواب التخيل لما قد يفعله دينار واحد.
لكن الله تعالى تلا هذه المكرمة الكبيرة بآية تبيّن أمراض النفس البشرية والتي ندعو الله أن يعفو عنا ويرحمنا ويجعلنا ممن ليست فيهم تلك الأمراض، وهي أن تُتبِع صدقاتك بالمنّ والأذى والإنفاق بقصد الرياء. وللأسف فهذه الأمراض النفسية تصيب كثيراً من المتصدقين حتى ولو جاءت في شهر الكرم والجود.
وللأسف، فقد حدثني أحد الأصدقاء عن مسجد قام أحد المتصدقين بالتبرع بتجديده ودفع تكاليف الصيانة والصباغة والترميم وغيرها من الأمور، وجزاه الله كل الخير على ما فعل.. لكن هذا المتصدق اشترط تغيير اسم المسجد باسم آخر، ليدخل بذلك في منطقة الرياء، فقد كان للمسجد اسماً يعرفه الناس جميعاً، ثم جاء هذا المتصدق ليغيّر ما عرفه الناس ويضع لوحة لعنوان آخر لبيت هو في البداية والنهاية من بيوت الله، وليس بيتك أو بيت أهلك وعائلتك.
الأمر لم يتوقف عند هذا الشرط الذي وضعه المتصدق، ولكنه أيضاً اشترط ألا يتم افتتاح المسجد بعد صيانته إلا في حضوره. وقال المصلّون: لا بأس، لكنهم اكتشفوا أنه توجه لأداء العمرة وتركهم يبحثون عن مساجد أخرى مفتوحة ليصلّوا فيها حتى يعود ويفتتح المسجد بنفسه، ويسمح للمصلين بالصلاة فيه.
وهذا الفعل هو ما ذكره الله تعالى في الآية ووصفه بالصدقة التي يتبعها «منّ وأذى»، فها أنت أيها المتصدق قد مننت على الناس باشتراطاتك، وآذيتهم بغلق المسجد حتى تعود، وبهذا فعلت كل ما ذكره الله تعالى وحذّر منه في الآية الكريمة، والتي ضرب الله فيها مثلاً عجيباً لمن أنفق ماله ثم لم يصب منه شيئاً، كمثل صفوان «الحجر الأملس» الذي إذا أصابه وابل «مطر» لم يستفد منه شيئاً وتركه «صلداً» يابساً، بعكس الأرض الطيبة التي تنبت وتخرج الخير حين يصيبها المطر.
والذي أخافني وأرعبني في هذه الآية رقم «264» من سورة البقرة، هو آخر كلمات ذُكرت فيها، (والله لا يهدي القوم الكافرين)، ولم يقل جل جلاله (القوم الظالمين)، وهو ما يُعتبر تحذيراً شديد القوة، أدعو الله أن أكون مخطئا ًفيه وأدعوه أن يرحمنا في شهر الرحمة.
* قبطان - رئيس تحرير جريدة «ديلي تربيون» الإنجليزية