في كل موسم رمضاني تتحول الشاشات الخليجية إلى ساحة تنافس درامي واسع، حيث تتسابق شركات الإنتاج لتقديم أعمال تستقطب ملايين المشاهدين في دول الخليج العربي. والسؤال الجوهري: هل تعكس هذه المسلسلات الواقع الاجتماعي كما هو، أم أنها تقدم صورة درامية مبالغاً فيها تخدم الإثارة أكثر مما تخدم الحقيقة؟
اتجهت العديد من الأعمال في السنوات الأخيرة إلى تناول قضايا اجتماعية حقيقية مثل الخلافات الأسرية وصراع الأجيال وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي وقضايا الطلاق والعمل والطموح. هذه الأعمال تحاول الاقتراب من الواقع لكنها في الوقت ذاته تضيف عناصر درامية مكثفة لخلق التشويق وجذب المشاهد، وهو ما يجعل الصورة أحياناً أقرب إلى المعالجة الفنية منها إلى التوثيق الواقعي.
كما برزت أعمال درامية اعتمدت على تجسيد شخصيات حقيقية وقصص واقعية لأشخاص عايشوا أحداثاً مؤثرة في المجتمع، مثل قصة الكاتب الكويتي «بدر المطيري» التي تحولت إلى عمل درامي بعنوان «أعوام الظلام» ويُعد هذا الاتجاه من أكثر المسارات الدرامية قرباً من الواقع، إذ يعزز مصداقية الطرح ويمنح العمل بعداً توثيقياً وإنسانياً في آن واحد. فمثل هذه الأعمال تُعيد قراءة التجارب الحقيقية بلغة درامية مؤثرة مما يجعلها أقرب إلى تشكيل وعي مجتمعي يعكس عمق التجربة الإنسانية.
وفي الجانب الآخر، لا تخلو بعض المسلسلات من المبالغة في تصوير البيئات المترفة والصراعات الحادة، مما يخلق فجوة بين ما يُعرض على الشاشة وما يعيشه المواطن العادي. فالدراما بطبيعتها تعتمد على الصراع والتشويق، لكن الإشكالية تظهر عندما تتحول المبالغة إلى نمط دائم يرسّخ صوراً نمطية أو يعالج القضايا بسطحية دون تقديم رؤية أو رسالة واضحة.
أما من حيث القيم، فإن شهر رمضان يحمل خصوصية دينية واجتماعية تجعل الجمهور يتوقع محتوى ينسجم مع روح الشهر، سواء عبر تعزيز قيم التسامح وصلة الرحم والتضحية أو من خلال طرح قضايا أخلاقية تُختتم برسائل إيجابية. فبعض الأعمال تنجح في عرض هذه القيم بشكل غير مباشر عبر النهايات المنصفة، بينما تكتفي أخرى بإثارة الصراعات دون تقديم حلول، فتتحول إلى مادة ترفيهية عابرة لا يتجاوز تأثيرها حدود وقت العرض.
وبالتالي تبقى الدراما الرمضانية الخليجية مساحة مفتوحة للنقاش والتقييم، فهي قادرة على أن تكون مرآة صادقة تنقل هموم المجتمع وتحولاته، كما يمكن أن تتحول إلى عمل ترفيهي يكتفي بإثارة الاهتمام المؤقت. ويظل التوازن بين الخيال والواقع، هو التحدي الحقيقي الذي يحدّد قيمة العمل وأثره في وجدان المشاهد.
* باحثة في الإعلام الرقمي وتكنولوجيا الاتصال