سند جمال سند

لم يعد التحدّي في رمضان اليوم مقاومة الجوع أو العطش.. بل مقاومة الهاتف.

نقضي ساعات طويلة نراقب الشاشات، بينما تمر أيام الشهر بهدوء لا نشعر به. نستيقظ على إشعار، ونفطر على مقطع، ونختم ليلنا بتصفح لا ينتهي. حتى أصبح السؤال الحقيقي: هل نعيش رمضان... أم نمرّ عليه مرور المشاهد؟

رمضان الذي كان زمن اللقاءات وصلة الرحم والسكينة، تحوّل عند كثيرين إلى موسم استهلاك رقمي مكثف. مقاطع قصيرة تسرق الانتباه، ومنصات تتنافس على إبقائنا متصلين أطول وقت ممكن. المفارقة المؤلمة أن الشهر الذي جاء ليعيد ترتيباً داخل الإنسان.. أصبح عند البعض مجرد جدول متابعة يومي.

الأخطر ليس ضياع الوقت فقط، بل ضياع الإحساس به. تمر الليالي سريعاً، ويأتي العيد فجأة، ثم نكرر الجملة ذاتها كل عام: "رمضان انتهى بسرعة”. الحقيقة أنه لم ينتهِ سريعاً... نحن من لم نحضره.

في السابق كان الجميع ينتظر مدفع الإفطار، واليوم ينتظر الجميع شحن البطارية. نجلس حول المائدة نفسها، لكن كل واحد يعيش داخل شاشة منفصلة. الجسد حاضر.. أما الانتباه فغائب.

التقنية ليست عدواً، لكنها تصبح كذلك عندما تتحول من وسيلة إلى قائد. المشكلة ليست في الهاتف، بل حين يصبح هو من يحدد كيف نقضي يومنا، ومتى ننام، ومتى نصحو، وحتى ما الذي نشعر به.

رمضان فرصة سنوية نادرة لمراجعة النفس وإعادة التوازن، لا لإعادة شحن الأجهزة فقط. ساعة واحدة بلا شاشة قد تعيد للإنسان هدوءاً افتقده طوال العام، وقد تعيد له شعور الحضور الحقيقي.. مع الله، ومع نفسه، ومع عائلته.

وقبل أن ينتهي الشهر، لا تسأل كم مقطعاً شاهدت.. اسأل نفسك.. السؤال الأصدق:

هل عشت رمضان.. أم كنت مجرد مشاهد له؟