منذ قيام الثورة الإيرانية، قدّم قادة نظام الملالي أنفسهم على أنهم زهادٌ في الدنيا، رافضون لمكاسبها، ومكرّسون حياتهم للعقيدة. لكن الواقع الذي تكشفه الوقائع والتقارير يروي قصة مختلفة تماماً.

في زمن المرشد الأول الخميني، رُوّجت رواية «مفاتيح الجنة» التي كُتب عنها بأنها وُزعت على الجنود الإيرانيين في الحرب مع العراق، في خطاب تعبوي يقوم على التضحية بالموت من أجل الجنة. كان الخطاب دينياً عاطفياً، يحرك البسطاء ويقودهم إلى ساحات القتال.

اليوم، وبعد عقود، نجد أن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج -وهي مليارات تعود جذورها إلى مرحلة ما بعد الثورة- أعادتها «بكل سذاجة» إدارة باراك أوباما ضمن تفاهمات سياسية اتضح «فشلها» لاحقاً، في خطوة اعتبرها كثيرون دعماً غير مباشر للنظام الإيراني.

بل إن إدارة «النائم» جو بايدن واصلت نهج الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة في سياقات تبادل واتفاقات، ما منح النظام متنفساً مالياً عزز من حضوره الإقليمي، وسمح له بالاستمرار في دعم أذرعه خارج حدوده، وهو ما انعكس تهديداً مباشراً على أمن منطقتنا الخليجية.

في المقابل، تقارير عديدة نُشرت سابقاً، أشارت إلى تقديرات ثروة المرشد الأعلى علي خامنئي وشبكة مؤسساته الاقتصادية، وأنها قد تصل إلى نحو 90 مليار دولار. الرقم ضخم، وصادم، خصوصاً إذا ما قورن بحال المواطن الإيراني الذي يرزح تحت التضخم، وانهيار العملة، وضنك المعيشة.

ثم جاء تقرير «سكاي نيوز» مؤخراً بعنوان «من طهران إلى شارع المليارديرات في لندن»، ليتحدث عن أصول وعقارات فاخرة مرتبطة بـمجتبى خامنئي، ابن المرشد، في أحياء راقية بلندن تقدر بملايين الجنيهات. السؤال هنا بسيط ومباشر: من أين لك هذا يا بن آية الله الزاهد العابد؟! كيف يستقيم خطاب الزهد مع عقارات في شارع المليارديرات؟!

المفارقة أن هناك اليوم من يبكي على خامنئي، ونرى بعضهم بيننا هنا، يبجلونه ويتباكون عليه ويتبعونه، بل يكاد بعضهم يرفعه إلى مرتبة التقديس. في المقابل، الشعب الإيراني نفسه منقسم، هناك من يبكيه ويؤيده، وهناك من يحتفل داخل إيران وخارجها، من إيرانيين انتظروا لحظات الخلاص من رأس هذا النظام، ويتمنون حرية تفك قيود حكم الملالي.

المعادلة التي حكم بها النظام شعبه كانت واضحة، إما أن تكونوا أتباعاً مطيعين، أو أن تُصنّفوا خونة تستحقون التنكيل. وبين خطاب الزهد وثروات المليارات، وبين مفاتيح الجنة ومفاتيح القصور في لندن، تتكشف صورة نظامٍ أتقن استخدام الدين ستاراً للسلطة، بينما الحقيقة على الأرض تقول شيئاً مختلفاً تماماً.

المفارقة هنا، بأن كل ما يُذكر ويُكتب وينشر ويُكشف عنه، كل هذا «يعرفه تماماً» مريدوهم، لكنهم من الاستحالة أن يعترفوا بذلك، هم يقبلون الاستمرار بصورة الجموع المغيبة والمنقادة خلف الشعارات، على أن «يعترفوا بشجاعة» بأن الحقيقة بعيدة جداً عما يروجه «بائعو الوهم» و«تجار الدين والجثث».