لسنا أمام روايتين، ولا أمام وجهتي نظر متقابلتين يمكن الموازنة بينهما، ما يجري عدوانٌ إيراني سافر على سيادة البحرين وأشقائها في «مجلس التعاون»، واستهداف مباشر لمبانٍ سكنية ومنشآت خدمية ومطارات وموانئ تقوم عليها حياتنا واقتصادنا، وحين تُوجَّه النيران إلى مقومات الحياة، لا يبقى مجال للحياد.. بل يسقط التبرير.
أيُّ منطقٍ ذاك الذي يرى في المساكن والفنادق أهدافاً مشروعة؟ وأيُّ عقلٍ يطلق الصواريخ نحو منشآت مدنية ثم يبحث عن غطاء أخلاقي؟ ففي شهرٍ تُصان فيه الدماء وتُحفظ الحرمات، بدا المشهد أكثر فداحة، وأكثر سقوطاً، خصوصاً عندما يكون صادراً ممن صوّر للعالم أن الإسلام شعارٌ له، ولا عجب.. فالتاريخ حافلٌ بمن جعلوا الشعارات ستاراً لأفعالهم.
ما لم يكن في حسبانهم أن السماء التي ظنّوها ساحةً مفتوحة، تحولت أمامهم إلى مشهدٍ من الردع والانكسار، فيا له من مشهدٍ يهزّ الوجدان حين تتصدى دفاعاتنا الجوية ببسالة لهذا العدوان. دويّ الاعتراض في السماء لم يكن صوت خوف، بل صوت يقظة، لم يكن صدى انفجار، بل صدى ثقة بأن على هذه الأرض أبطالاً مرابطين يتقدّمون لحماية الأرض وصون السيادة، ذلك الصوت الذي قد يظنه البعض مصدر قلق، تحوّل في وجدان البحرينيين إلى رسالة طمأنينة، ليتردد هتافٌ واحد: «كفو يا مال العز.. حنا لها لا ضاق وقتٍ ولا مال».
لم تكن البحرين في موقع من ينتظر الضربة، بل في موقع من كسر الرهان قبل اكتماله، الرهان كان على الإرباك فجاء الرد منضبطاً، الرهان كان على الخوف فجاء الرد ثقة، الرهان كان على اهتزاز المعنويات فجاء الرد تماسكاً وهدوءاً وسيطرة كاملة، فالسّيادة لا تُختبر، وأمن الخليج العربي منظومة واحدة لا تتجزأ.
وفي المقابل، ظهرت أصوات نشاز تحاول إعادة توصيف العدوان أو تخفيف وقعه، لكن استهداف المدنيين لا يُبرَّر، وضرب منشآت الطاقة لا يُجمَّل، والعبث بأمن الأوطان لا يُغطّى بالشعارات، فالتاريخ لا يذكر المبرّرين، والمتلونين، والمترددين، بل يذكر من وقفوا حين كان الوقوف واجباً.
هذه ساعةٌ تُمحَّص فيها المواقف كما يُمحَّص الذهب في النار، سقطت الأقنعة مع الشظايا، وتعرّت الكلمات من زينتها، فكُتب الثبات سطراً مضيئاً، وكُتب التبرير عاراً، وما شهدته الأرض حفظته السماء، والله خير الشاهدين.
فيصل العلي