ليس بالأمر الهيّن أن يعيش الإنسان في أجواء لم يعتدها؛ أجواء حرب، وأصوات صواريخ، ومشاعر خوف وقلق تعتري الجميع، وهم يشاهدون وطنهم الذي اعتادوا أن يكون وطن خير وسلام ومحبة وإخاء وتلاحم، وقد أصبح هدفاً لعدوانٍ آثم. لقد أضحت الأجواء اليوم أشبه بما مررنا به في محطات سابقة جرحت قلب الوطن، ثم ما أعقبها من أحداث جائحة كورونا، وكأن الظروف تعود بصور مختلفة، في إطار مخططاتٍ ممنهجة تسعى إلى زعزعة أمننا واستقرارنا وتلاحمنا الوطني.
غير أن ذلك كلّه يظل عاجزاً عن النيل من وطنٍ تحفه عناية الله تعالى وحفظه ورعايته؛ فهو الحافظ الذي يحفظ أرض الخير، وأرض الإنسانية التي انبثق منها عطاء لا ينضب، وسواعد لم تتردد يوماً في بذل وقتها وجهدها من أجل قضاء حوائج الآخرين وإغاثة المنكوبين. البحرين محفوظة بإذن الله تعالى، ثم بتكاتف شعبها وجميع المقيمين على أرضها الطيبة، والتفافهم حول راية الوطن العزيز بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وثقة الجميع في إجراءات الحكومة الرشيدة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله.
وقد عبّرت العوائل والمؤسسات عن هذا التكاتف بوضوح من خلال تفاعلهم مع مبادرة «ولاء وتلاحم» التي دشّنها تلفزيون البحرين، في صورة تعكس روحًا وطنية عالية، وتؤكد عمق التلاحم المجتمعي وترسخ قيم الوحدة الوطنية، تلك القيم التي نرجو أن تكون دائماً نبراسنا في أوقات الشدائد والمحن التي يمر بها الوطن العزيز.
ستظل البحرين القلب النابض بالخير والعطاء ومحبة الآخرين؛ أرضاً طيبة، وأهلها عُرفوا بالشّهامة والنخوة والطيبة، وبالمبادرة إلى أعمال الخير، وبأن يكونوا دائماً سواعد للإخاء والبذل، يجمعون القلوب ويوحّدون الصفوف على حب الوطن وتعزيز الانتماء إليه وإلى قيادته. ولسنا بحاجة إلى أن نعلّم الآخرين حب الوطن؛ فقد نشأنا على محبة هذه الأرض، وعلى إرثٍ من القيم والوفاء تعلّمناه من الآباء والأجداد الذين أعطوا وضحّوا وبذلوا من أجلها. إنه الوطن الذي لا يساوم أحد على حبه، والوطن الذي كبرنا على خدمته والعطاء على أرضه، وفي ظل رايته بذلنا الخير ونحيا به. هكذا نعلّم أبناءنا وأجيالنا أن محبة الوطن ليست وليدة اللحظة، بل شعورٌ متجذر يسري في العروق، وأن يكون الإنسان على أرض وطنه شامة خير؛ يعطي بلا مقابل، ويبذل وقته وجهده ابتغاء مرضاة الله أولًا، ثم نشر الخير في مجتمعه. وهو في جوهره منهج إسلامي أصيل، يقوم على أن يكون الإنسان خليفةً لله في أرضه، ينشر الخير ويترك الأثر الطيب أينما حلّ.
إن انتماءنا الأصيل لدين الإسلام الذي نعتز به، ولأرضنا التي نشأنا بين كنفها، يدفعنا إلى أن نتكاتف ونتلاحم تحت ظل قيادة آمنت بأن الخير كل الخير لبلدٍ أحبّنا وأحببناه من أعماق قلوبنا. ومن هنا فإن الحكمة تقتضي ألّا نزعزع هذا البنيان الذي تربينا فيه بتصرفاتٍ هوجاء أو انفعالات غير مبررة، أو بإظهار انتماءات خارجية لا تليق بمن تذوّق خير هذه الأرض وعاش بين أهلها، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ويقف معهم في المواقف الصعبة، حفاظاً على اللُّحمة الوطنية التي نعتز بها. فكم من محطات مضت تركت في الذاكرة أثراً مريراً، ونتمنى ألّا تتكرر تلك الشواهد المريبة مرة أخرى، وأن يبقى هذا الوطن واحةً للوئام والتآلف كما عرفناه دائماً.
وما تمر به البحرين ودول الخليج العربي اليوم من عدوانٍ إيراني سافر يتطلب من الجميع أن يقف صفاً واحداً تحت راية الوطن. لقد أثبتت المرحلة الراهنة كذلك وحدة دول الخليج وتماسكها، واجتماعها على حماية أوطانها وصون أمن شعوبها واستقرارها، وهي بلا شك محطة تعزز الملحمة الخليجية وتؤكد قدرتها على مواجهة أي عدوان يستهدف أرضها وأمنها. ومن المشاهد المشرقة في هذا السياق الإقبال الكبير من المواطنين والمؤسسات على التسجيل في حملة «البحرين بخير.. ما دام أنتوا أهلها»عبر المنصة الوطنية للتطوع، في صورة تعكس روح المبادرة التي عهدناها في أبناء هذا الوطن. وقد تجلت هذه الروح سابقاً في محطات عديدة، من أبرزها مبادرات الدعم المجتمعي خلال جائحة كورونا، وحملة «فينا خير» التي عكست أروع صور التكاتف والعطاء.
إن الحفاظ على منجزات هذا الوطن مسؤولية مشتركة، تقتضي أن نكون صفاً واحداً في مواجهة التحديات، كلٌّ في موقعه ومجاله، وأن نساند في أعمالنا قوات الأمن وقوة الدفاع المرابطين على الثغور، الذين يسهرون على حماية أمن الوطن وأمن أهله والمقيمين على أرضه. فلهم منا تحية إجلال وإكبار وتقدير لما يقدمونه من تضحيات كبيرة في سبيل أمن الوطن واستقراره.
وفي خضمّ هذه الأحداث، يبقى الإيمان بالله تعالى هو الركيزة التي تمنح الإنسان الطمأنينة والسكينة. فالإيمان الصادق يطمئن النفس، ويزيل عنها القلق، ويجعل الإنسان يعيش حياته مطمئناً بحفظ الله ورعايته. وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان». فالتسليم لله تعالى والرضا بقضائه وقدره يورثان راحة النفس وطمأنينة القلب، أما الانشغال بالندم والقلق والتذمر من أقدار الحياة فلا يجلب للإنسان إلا مزيداً من الاضطراب الذي قد يخدش إيمانه. ولهذا كان من الخير للإنسان أن يكثر من ذكر الله تعالى وشكره على نعمه، وأن يتقرب إليه في مثل هذه الظروف بالدعاء والصلاة وقراءة القرآن، ولاسيما ونحن في شهر رمضان المبارك؛ الشهر الذي تتجلى فيه معاني الإيمان والسكينة، وتكون فيه القلوب أقرب إلى الله تعالى. وتذكر دائماً أن ما يمر بك إنما هو قدرٌ في نظام كوني دقيق، يعلم الله تفاصيله كلها، كما قال تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبةٍ في ظلمات الأرض ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتاب مبين). وحين يدرك الإنسان هذا المعنى، ويوقن أن حياته بعلم الله تعالى وحفظه، فإن الطمأنينة تسكن قلبه ويغدو أكثر ثباتاً ورضاً.
ومضة أملحفظنا الله جميعاً من كل سوء، وحفظ بلادنا وبلاد الخليج العربي.