بينما تكافح إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتبرير قانونية الحرب المشتركة التي شنتها مع إسرائيل على إيران داخل الأروقة السياسية في واشنطن العاصمة، وجدت دول الخليج العربية نفسها في صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.

بالنسبة لإيران، فهي معركة وجودية يسعى من خلالها النظام للبقاء؛ لذلك بدا وكأنه يطلق النار في كل الاتجاهات وكأنه يقول «علي وعلى أعدائي».

وفي وقت تمارس فيه دول الخليج العربي أقصى درجات ضبط النفس تجاه الاعتداءات الإيرانية السافرة على أراضيها، مما يظهر حكمة وصبر كبيرين في مواجهة واحدة من أهم التحديات التي تتعرض لها، تسعى الولايات المتحدة لإيجاد حل لمعادلة إيران الصعبة.

وفي حين بدأ الرئيس الأمريكي هذه الحرب بالتنسيق مع إسرائيل، فإن مسألة الخروج منها تبقى غامضة إلى حد كبير مع تحول الصراع لمعركة استنزاف كل طرف فيه لا يريد أن يصرخ أولاً.

تتطلع واشنطن إلى تهيئة الظروف المثالية لإسقاط النظام من خلال ضرب المنشآت العسكرية والأمنية واستهداف القيادة الإيرانية وانتظار انتفاضة الشعب لانقضاضه على السلطة، إلا أن هذه النظرة الاستراتيجية تبقى قاصرة حتى مع تحفيز الأكراد على التحرك.

إن النظام الثيوقراطي متجذر في البلاد بعد ما يقرب من نصف قرن على صعود رجال الدين للسلطة، كما أن حملة عسكرية من الجو وحدها تبقى غير كافية لإسقاط نظام دولة كما يؤكد العسكريون.

علاوة على ذلك، فإن النقاش الدائر حول من سيحكم إيران بعد انقضاء الأزمة يتجاهل حقيقة مسألة عدم وضوح «اليوم التالي»، لاسيما وأن المعارضة لاتزال متشرذمة إلى حد كبير دون وجود بديل واضح يتفق عليه الإيرانيون.

أما الاعتقاد بأن إزاحة المرشد الأعلى، علي خامنئي، من السلطة ستتيح الفرصة لإعادة تشكيل إيران وقدوم نظام جديد موالٍ للغرب يتجاهل حقيقة أن النظام السياسي في إيران مؤسسي، وهو مبني على آيدولوجية دون أن يعتمد على شخص واحد.

وتكمن خطورة هذه الحرب في أن النظام الإيراني قد يخرج منها أكثر عدائية تجاه الغرب وجيرانه العرب، مما قد يسارع العمل على بناء برنامج نووي يمهد لتطوير أسلحة دمار شامل في ظل رحيل المرشد وربما رحيل فتواه الدينية بتحريم الأسلحة النووية معه.

بالإضافة إلى ذلك، قد يشكل رحيل خامنئي فراغاً لا يملؤه إلا أجهزة الحرس الثوري المتطرفة، التي لا تعرف ممارسة ضبط النفس، وهو ما يظهر بوضوح في الحرب الدائرة حالياً عندما تم استهداف المنشآت المدينة والبنية التحتية الاقتصادية والمقار الدبلوماسية بلا مواربة، بل حتى ضرب تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

بمعنى أدق، دخلت الإدارة الأمريكية في صراع لا سبيل فيه لتحقيق نصر مطلق إلا بتغيير هذا النظام جذرياً، وهذا يتطلب حملة عسكرية طويلة ومكلفة وقوات برية على الأرض والتزام طويل الأمد لا تفضله واشنطن. وفي ظل هذه المعضلة، ليس أمام المنطقة سوى انتظار ما ستؤول إليه هذه الحرب من نتائج قد تغير الكثير من شكل هذه المنطقة التي لم تعرف يوماً الهدوء.