سيد حسين القصاب

  • - استخدام «Deepfake» لإنشاء فيديوهات مزيفة للتأثير في الرأي العام
  • - الحروب الحديثة لم تعد تُدار فقط بساحات القتال بل في الفضاء الرقمي

أكد مستشار الأمن السيبراني علي بشارة أن طبيعة الحروب في العالم المعاصر لم تعد تقتصر على الصواريخ والمواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت لتشمل الفضاء الرقمي عبر ما يُعرف بالحرب السيبرانية، التي قد تستهدف الأنظمة التقنية والبنية التحتية للدول، وتؤثر على نحو مباشر على حياة ملايين الأشخاص.

وشدد بشارة على أن حماية المجتمع في مواجهة هذا النوع من التهديدات تبدأ بالوعي الرقمي لدى الأفراد، موضحاً أن كثيراً من الهجمات السيبرانية تستهدف المستخدمين العاديين عبر أساليب الخداع أو ما يعرف بالهندسة الاجتماعية للوصول إلى بياناتهم أو حساباتهم.

وأوضح أن من أبرز هذه الأساليب المكالمات الهاتفية الاحتيالية التي تنتحل صفة جهات رسمية، حيث يتم إيهام الضحية بأن المتصل من جهة حكومية بهدف التحقق من معلومات معينة، ثم يُطلب منه تقديم بيانات شخصية مثل رقم البطاقة، وهو ما قد يؤدي لاحقاً إلى استغلال هذه البيانات للوصول إلى الحسابات المالية أو الخدمات الرقمية.

وأضاف أن بعض المهاجمين قد يلجؤون أيضاً إلى نشر تطبيقات تبدو طبيعية مثل الألعاب أو البرامج الهاتفية، لكنها في الواقع تحتوي على برمجيات خبيثة تسمح بالتجسس على الجهاز أو استخدامه لنشر رسائل مضللة دون علم المستخدم.

وأشار إلى أن المعلومات المضللة أصبحت كذلك جزءاً مهماً من الهجمات السيبرانية، حيث قد يتم تداول صور أو مقاطع فيديو مزيفة تظهر حوادث أو انفجارات بهدف نشر الذعر بين الناس، مبيناً أن تقنيات التزييف العميق (Deepfake) باتت تُستخدم لإنشاء فيديوهات أو تسجيلات صوتية مزيفة لشخصيات معروفة بهدف نشر أخبار كاذبة أو التأثير في الرأي العام. ودعا بشارة الأفراد إلى عدم الثقة بأي صورة أو فيديو لمجرد أنه يبدو واقعياً، خاصة في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التي جعلت التزييف أكثر سهولة وانتشاراً، مؤكداً أهمية التحقق من الأخبار قبل نشرها من خلال التأكد من وجود أكثر من مصدر موثوق ومعرفة المكان والزمان المرتبطين بالمعلومة.

كما حذر من بعض الأخطاء الشائعة التي قد يرتكبها الأفراد دون وعي، مثل تصوير مواقع الحوادث أو الأضرار ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مبيناً أن وزارة الداخلية في البحرين أكدت أن تصوير أو تداول مقاطع مواقع الأحداث قد يشكل مخالفة قانونية لما قد يسببه من تأثير في الأمن العام.

وأضاف أن بعض الأشخاص قد يقعون ضحية للمكالمات الاحتيالية أو الرسائل التي تطلب معلومات شخصية، أو يتم إقناعهم بتثبيت تطبيقات تمنح المهاجمين صلاحية الوصول الكامل إلى أجهزتهم، مؤكداً أن التريث في التعامل مع المكالمات أو التطبيقات غير المعروفة يعد وسيلة فعالة للحماية.

وبيّن بشارة أن مفهوم الحرب بشكل عام يقوم على وجود نزاع بين طرفين بهدف إحداث ضرر أو تغيير في الظروف الجغرافية أو الاقتصادية أو السياسية، مشيراً إلى أن الحروب التقليدية تعتمد على أدوات مثل الصواريخ والطائرات والمتفجرات والاشتباكات البرية والبحرية، وغالباً ما تكون تكلفتها مرتفعة من حيث الخسائر البشرية والمادية.وأوضح أن التطور التقني الواسع خلال السنوات الأخيرة غيّر معادلة الصراع، حيث أصبحت الدول والمجتمعات تعتمد إلى حد بعيد على التكنولوجيا ليس فقط في استخدامات الأفراد اليومية مثل الهواتف الذكية والإنترنت، بل أيضاً في تشغيل الأنظمة الحيوية التي تدير خدمات أساسية كالكهرباء والمياه والمستشفيات وإدارة الطرق والأنظمة المالية.

وأشار إلى أن الحرب السيبرانية تقوم على تنفيذ هجمات رقمية عن بُعد تستهدف هذه الأنظمة، لافتاً إلى أن تعطّل شبكات الكهرباء أو توقف الأنظمة المالية أو تعطيل الخدمات الحيوية قد يؤدي إلى اضطراب واسع قد يمتد تأثيره إلى مدن أو حتى دول بأكملها، وهو ما يجعل هذا النوع من الحروب جزءاً أساسياً من طبيعة النزاعات الحديثة.

ولفت إلى أن العالم شهد في السنوات الماضية عدة هجمات سيبرانية استهدفت البنية الرقمية للحكومات، من بينها تعطيل مئات المواقع الحكومية في إحدى الدول الأوروبية، الأمر الذي أدى إلى توقف العديد من الخدمات المقدمة للمواطنين والمؤسسات.

كما تعرضت بعض منشآت إنتاج الطاقة لهجمات سيبرانية أدت إلى تعطيل إمدادات الوقود والخدمات المرتبطة بها، الأمر الذي تسبب في اضطراب وقلق واسع على مستوى تلك الدول.

وفيما يتعلق بمدى جاهزية دول المنطقة لمواجهة هذه التهديدات، أوضح بشارة أن العديد من الدول باتت تمتلك أطراً تنظيمية وتشريعات قوية في مجال الأمن السيبراني، تلزم المؤسسات باتخاذ إجراءات وقائية لحماية أنظمتها التقنية، إلى جانب إجراء اختبارات دورية لقياس مستوى الجاهزية للتعامل مع أي هجمات محتملة.

وأشار إلى أنه من خلال عمله في مجال الاستشارات السيبرانية والتدقيق وإدارة المخاطر التقنية مع عدد من المؤسسات، لاحظ أن العديد من الجهات أصبحت تتعامل بجدية مع هذه التوجيهات، وتسعى إلى تطوير قدراتها الدفاعية بشكل متواصل.

واختتم بشارة حديثه بالتأكيد على أن الحروب الحديثة لم تعد تُدار فقط في ساحات القتال، بل في الفضاء الرقمي أيضاً، مشدداً على أن وعي المواطنين أصبح جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الوطني، داعياً الجميع إلى التحقق من المعلومات قبل نشرها، وحماية البيانات الشخصية، والتعامل بحذر مع الرسائل أو المكالمات المشبوهة، لأن تصرف الأفراد بوعي ومسؤولية يسهم في تعزيز قدرة المجتمع على مواجهة محاولات التضليل أو الاختراق.