حسن الستري


تعكس الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة خلال الأشهر الماضية صورة متحركة لواقع الكوادر الطبية في القطاع الصحي الحكومي، مع استمرار الجهود لرفع نسب البحرنة في مهنة الطب، وتطوير المسارات المهنية للأطباء البحرينيين بما يتوافق مع احتياجات النظام الصحي في المملكة.

وأشارت أحدث البيانات التي قدمتها الوزارة في ردها على سؤالي النائبين عبدالنبي سلمان وجليلة السيد علوي في يناير الماضي إلى أن عدد الأطباء العاملين في المستشفيات الحكومية ومراكز الرعاية الصحية الأولية يبلغ 725 طبيباً، يشكل البحرينيون منهم نحو 88% من إجمالي الكادر الطبي.

كما أوضحت أن مراكز الرعاية الصحية الأولية وحدها تضم 584 طبيباً، ما يعكس ثقل هذا القطاع في تقديم الخدمات الصحية المباشرة للمواطنين والمقيمين.

وتؤكد الوزارة أن الأطباء البحرينيين يشكلون النسبة الأكبر في الكادر الطبي الحكومي، في وقت يتم فيه توظيف الأطباء غير البحرينيين في التخصصات التي لا يتوافر فيها عدد كافٍ من الكفاءات الوطنية المؤهلة.

ويأتي ذلك في إطار خطة مرحلية لرفع نسب البحرنة في مهنة الطب داخل المستشفيات الحكومية، بما يتماشى مع مخرجات التعليم الطبي واحتياجات سوق العمل.

وتتضمن هذه الخطة التوسع في البرامج التدريبية التخصصية، وتوفير مسارات مهنية للأطباء الخريجين، وربط التعيينات بالاحتياجات الفعلية لكل منشأة صحية.

وتشير الوزارة إلى أن تنفيذ هذه الخطة يتم ضمن إطار زمني قد يمتد من ثلاث إلى خمس سنوات، تبعاً لطبيعة كل تخصص وقدرته على استيعاب الكوادر الوطنية.

كما تعمل المستشفيات الحكومية على تنفيذ خطة إحلال تدريجية تهدف إلى تعزيز بحرنة الكوادر الطبية خلال الفترة ذاتها، من خلال ابتعاث الأطباء البحرينيين إلى الخارج للحصول على برامج الزمالة التخصصية.

وتراعي هذه الخطة عدة عوامل، من بينها طبيعة التخصصات الطبية، ودرجة ندرة الكفاءات الوطنية فيها، والسقوف الوظيفية والشواغر المتاحة، إضافة إلى الاعتمادات المالية المطلوبة، مع التأكيد على أن عملية الإحلال تتم بشكل تدريجي يضمن استمرارية جودة الخدمات الصحية دون تأثير على منظومة الرعاية.

وتكشف البيانات كذلك حجم الضغط على الخدمات الصحية الحكومية، إذ بلغ عدد زيارات المرضى للمستشفيات الحكومية 2,183,954 زيارة خلال السنوات الأربع الماضية، مع تسجيل تخصصي طب العيون وجراحة العظام كأكثر الأقسام التي تشهد إقبالاً من المراجعين.

وفي موازاة ذلك، تشير الوزارة إلى أن مراكز الرعاية الصحية الأولية حققت نسبة بحرنة كاملة (100%) في جميع الوظائف الصحية بمختلف التخصصات داخل المراكز الصحية، وهو ما يعد إنجازاً وطنياً يعكس نجاح سياسات تمكين الكفاءات الوطنية في هذا القطاع.

وتعمل المراكز على استدامة هذه النسبة من خلال برامج التدريب التخصصي المستمر، بما في ذلك برامج البورد، لضمان بقاء الكفاءات الوطنية الخيار الأول للتوظيف.

وفي قراءة أوسع لتطور أرقام الكوادر الطبية، تظهر بيانات أخرى قدمتها الوزارة في رد سابق على سؤال النائب مهدي الشويخ في أبريل الماضي صورة أشمل لحجم الأطباء البحرينيين في المملكة، إذ أوضحت حينها أن عدد الأطباء البحرينيين المرخصين في تخصص الطب البشري يبلغ 3327 طبيباً، إلى جانب 779 طبيب أسنان مرخصاً.

كما بينت تلك البيانات أن 1825 طبيباً بحرينياً يعملون في القطاع الحكومي في تخصص الطب البشري مقابل 174 طبيب أسنان، فيما يعمل 985 طبيباً بحرينياً في الطب البشري و423 طبيب أسنان في القطاع الخاص، إضافة إلى وجود 517 طبيباً بحرينياً مرخصاً غير مقيدين بعمل حالياً في الطب البشري، و182 طبيب أسنان.

وتظهر المقارنة بين بيانات يناير وأرقام أبريل أن الفجوة بين إجمالي الأطباء البحرينيين المرخصين وبين عدد العاملين فعلياً في القطاع الحكومي ما زالت قائمة، وهو ما يفسر تركيز السياسات الصحية خلال الفترة الأخيرة على توسيع برامج التدريب التخصصي وخلق فرص عمل جديدة، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص.

وفي هذا السياق، تتواصل الجهود المشتركة بين المجلس الأعلى للصحة وصندوق العمل «تمكين» لدعم توظيف الأطباء البحرينيين في القطاع الصحي الخاص.

وتشمل هذه الجهود دعم الأطباء العاملين في القطاع الخاص لاجتياز امتحانات البورد، من خلال فتح باب التدريب في برنامج الطبيب المقيم للقطاع الخاص في مختلف التخصصات الطبية المطلوبة.

إلى جانب ذلك، يجري تطبيق مبادرات أطلقها مجلس الوزراء لدعم توظيف الأطباء البحرينيين في القطاع الخاص، من بينها تقديم تسهيلات تمويلية للقروض التعليمية للتخصصات الطبية بالتعاون مع البنوك المحلية بحد أقصى يصل إلى 30 ألف دينار.

كما تتضمن هذه المبادرات دعم توظيف الأطباء وأطباء الأسنان حديثي التخرج والباحثين عن عمل، من خلال تحمل 70% من الراتب في السنة الأولى، و50% في السنة الثانية، و30% في السنة الثالثة، على ألا يقل الحد الأدنى للأجر عن 800 دينار، إضافة إلى تقديم حوافز للمستشفيات الخاصة التي تستقطب الأطباء البحرينيين وتعمل على رفع أجور الأطباء الذين تقل رواتبهم عن هذا الحد.

وتعكس هذه السياسات مجتمعة توجهاً عاماً نحو تعزيز حضور الطبيب البحريني في المنظومة الصحية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استمرارية جودة الخدمات الطبية، وتوفير التخصصات النادرة التي يحتاجها القطاع الصحي في المملكة.